مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

تايلاند.. كيف تتحول المؤسسات الدينية والعلماء إلى ركيزة للاستقرار في الجنوب المسلم؟

شراكة متصاعدة بين المرجعية الدينية والمؤسسات الرسمية تعيد تعريف دور العلماء في حماية الشباب وبناء السلم المجتمعي

من التعليم الديني إلى صناعة الوعي..

نموذج تايلاندي جديد لمواجهة التحديات عبر العلماء والمؤسسات

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في عالم تتزايد فيه التحديات الفكرية والاجتماعية والأمنية، لم تعد الدولة الحديثة تنظر إلى الاستقرار بوصفه مسألة أمنية خالصة، بل باعتباره عملية مركبة تبدأ من بناء الإنسان، وتعزيز منظومة القيم، وترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته. وفي هذا السياق، تبرز تجربة مملكة تايلاند، خاصة في محافظاتها الجنوبية ذات الغالبية الملايوية المسلمة، بوصفها نموذجًا لافتًا في إعادة توظيف العلماء والمؤسسات الدينية ضمن معادلة الاستقرار المجتمعي.

فخلال السنوات الأخيرة، برز توجه متزايد نحو بناء شراكة أكثر تنظيمًا بين مكتب شيخ الإسلام في مملكة تايلاند والمؤسسات الحكومية، تقوم على الاستثمار في التعليم الديني، والعلماء، والمؤسسات الإسلامية باعتبارها أدوات وقائية تسهم في بناء وعي شبابي أكثر توازنًا، وتعزيز السلم المجتمعي بصورة مستدامة.

الجنوب المسلم.. خصوصية جغرافية واجتماعية تحتاج مقاربة مختلفة

يتركز معظم المجتمع المسلم في مملكة تايلاند داخل المحافظات الجنوبية، خاصة فطاني، ويالا، وناراتيوات، وستول، وأجزاء من سونغخلا، وهي مناطق ذات خصوصية ثقافية وتاريخية مرتبطة بالامتداد الملايوي المسلم، وتختلف في بنيتها الاجتماعية واللغوية عن أجزاء واسعة من البلاد.

وعلى مدار عقود، واجهت هذه المناطق تحديات متعددة؛ من بينها التفاوت التنموي، والتحولات الاجتماعية، وبعض الإشكالات المرتبطة بالاستقرار المحلي، ما جعل الحاجة أكثر إلحاحًا لبناء مقاربة جديدة تتجاوز الحلول التقليدية، وتضع التعليم والقيم والمؤسسات المجتمعية في قلب عملية الاستقرار.

من رجل الدين التقليدي إلى «صانع استقرار»

أحد أبرز التحولات اللافتة في التجربة التايلاندية يتمثل في إعادة تعريف دور العالم الديني؛ فلم يعد دوره مقتصرًا على الإرشاد الديني داخل المسجد أو المدرسة، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه فاعلًا مجتمعيًا قادرًا على التأثير في الوعي العام، والمساهمة في حماية الشباب من الأفكار السلبية، وتعزيز قيم الانتماء والتعايش.

ويعكس التنسيق المستمر واللقاءات الدورية بين فضيلة الشيخ أرون بونشوم، شيخ الإسلام في مملكة تايلاند، والمؤسسات الرسمية المعنية، خاصة الجهات المختصة بملف الاستقرار المجتمعي في المحافظات الجنوبية، تحولًا لافتًا في فلسفة التعامل مع التحديات المحلية؛ إذ لم يعد التركيز مقتصرًا على المعالجات المباشرة أو التدخلات الآنية، بل اتجه نحو الاستثمار طويل المدى في بناء الإنسان، عبر توظيف العلماء والمتخصصين في الشريعة الإسلامية والمؤسسات التعليمية لتعزيز الحصانة الفكرية والقيمية لدى الأطفال والشباب، وترسيخ الوعي والانتماء المجتمعي، بما يسهم في بناء استقرار أكثر استدامة.»

وهذه المقاربة تعكس فهمًا متقدمًا لفكرة الاستقرار؛ فبدل التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، يجري الاستثمار في الوقاية المبكرة عبر التعليم والتوجيه والقيم.

التعليم الديني بوصفه خط الدفاع الأول

تكشف التجربة التايلاندية عن إدراك متزايد بأن المدرسة الدينية والمسجد والعالم الشرعي يمكن أن يشكلوا خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.

فالتعليم الديني هنا لا يُنظر إليه بوصفه عملية تلقين للنصوص فحسب، بل كمسار لبناء شخصية متوازنة، تمتلك وعيًا دينيًا معتدلًا، وقدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع، وفهمًا أعمق للهوية والانتماء.

ولهذا، أصبح الاستثمار في تأهيل العلماء، وتطوير التعليم الإسلامي، وتحديث المناهج، جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

شراكة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية

اللافت في التجربة التايلاندية أن تعزيز الاستقرار في الجنوب المسلم لا يجري عبر المؤسسات الرسمية وحدها، بل من خلال شراكة متنامية مع المرجعية الدينية والمؤسسات الإسلامية.

فمكتب شيخ الإسلام في مملكة تايلاند بات يؤدي دورًا يتجاوز الشأن الديني التقليدي، عبر المشاركة في قضايا التعليم، وبناء الشباب، وتطوير المؤسسات، وتعزيز التفاهم المجتمعي.

ويعكس هذا النموذج قناعة متزايدة لدى الجهات الرسمية بأن النجاح في بناء السلام المستدام داخل المجتمعات المتنوعة لا يتحقق فقط عبر السياسات الإدارية أو المقاربات الأمنية، بل يحتاج أيضًا إلى ثقة المجتمع، وإلى مؤسسات تحظى بالشرعية والقبول المحلي.

3 دلالات استراتيجية تحملها التجربة التايلاندية

تكشف التحركات الأخيرة في جنوب تايلاند عن ثلاث دلالات مهمة؛

أولها أن العلماء باتوا يُنظر إليهم كشركاء في بناء الاستقرار، لا مجرد شخصيات دينية رمزية.

أما الدلالة الثانية، فتتمثل في انتقال التعليم الديني من وظيفة الحفظ والإرشاد المحدود إلى دور وقائي أوسع يركز على بناء الوعي والقيم لدى الشباب.

في حين تعكس الدلالة الثالثة وجود توجه مؤسسي لبناء نموذج أكثر استدامة، يدمج بين الدولة، والعلماء، والمؤسسات التعليمية والدينية في مشروع طويل المدى لتعزيز السلم المجتمعي.

وفي ظل عالم تتزايد فيه تحديات الهوية والتحولات الفكرية، تبدو التجربة التايلاندية وكأنها تقدم درسًا مهمًا: أن الاستثمار الحقيقي في الاستقرار لا يبدأ من الإجراءات الطارئة، بل من بناء الإنسان، وتمكين العلماء، وتعزيز المؤسسات القادرة على صناعة الثقة والوعي داخل المجتمع.

 

ـ المصدر: رصد وتحليل خاص من مسلمون حول العالم ـ هاني صلاح

 

التخطي إلى شريط الأدوات