مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

إثيوبيا.. نهضة إسلامية شاملة تعيد تشكيل دور المسلمين في الدولة والمجتمع

مبادرات متصاعدة وتحالفات متنامية.. نموذج «خير فلاقين» يكشف مسارًا أوسع من العمل الإسلامي الوطني

من التعليم والدعوة إلى التنمية والشراكات..

كيف يقود المجلس الأعلى مرحلة جديدة من الحضور المؤسسي؟

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في مشهد يصفه متابعون بأنه من أبرز التحولات التي يعيشها المجتمع المسلم في إثيوبيا منذ عقود طويلة، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«النهضة الإسلامية المؤسسية»، يقودها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا عبر مسارات متوازية لم تعد تقتصر على الدعوة والتعليم الشرعي فقط، بل امتدت إلى التنمية والعمل الإنساني وبناء المؤسسات وتعزيز السلام والاستقرار والتعايش المشترك.

وتكشف الأنشطة المتلاحقة التي يقودها المجلس الأعلى خلال الفترة الأخيرة أن ما يحدث لم يعد مجرد أخبار متفرقة أو زيارات بروتوكولية، بل مسار متصاعد ومتزايد ومنظم، يقوم على رؤية واضحة تهدف إلى إعادة بناء الحضور الإسلامي في البلاد بصورة أكثر تأثيرًا ومؤسسية، عبر الشراكات، والتعليم، وتمكين الشباب، والعمل المجتمعي، والتعاون مع مؤسسات الدولة.

ويأتي النشاط الأخير للمجلس الأعلى بزيارة مؤسسة «خير فلاقين» الخيرية في العاصمة أديس أبابا مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ إذ لم تكن الزيارة مجرد تفقد لمؤسسة إنسانية، بل حملت ثلاث رسائل استراتيجية: تعزيز الشراكات مع المؤسسات ذات الأثر الميداني، ودعم المبادرات الفاعلة في المياه والإغاثة والتنمية، وترسيخ ثقافة التكريم والتحفيز للمبادرات التي تخدم الفئات الأكثر احتياجًا. وهي رسائل تتكرر اليوم في سلسلة متصلة ومتنامية من الأنشطة والمبادرات التي يقودها المجلس في أنحاء البلاد.

من التهميش إلى الحضور المؤسسي

لأعوام طويلة، عاش المسلمون في إثيوبيا تحديات معقدة ارتبطت بالتهميش وضعف التمثيل المؤسسي وغياب الأطر المنظمة القادرة على إدارة الشأن الإسلامي بصورة شاملة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا لافتًا مع تنامي دور المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية باعتباره المظلة الجامعة للمجتمع المسلم، والقادرة على تحويل الطاقات المتفرقة إلى مشروع مؤسسي واسع.

ولم يعد دور المجلس الأعلى يقتصر على إدارة المساجد أو الأنشطة الدينية التقليدية، بل بات يتحرك ضمن رؤية أوسع تتعامل مع احتياجات المجتمع المسلم باعتبارها جزءًا من نهضة الدولة نفسها، وهو ما منح المؤسسة الإسلامية حضورًا أكثر تأثيرًا في المشهد الوطني.

المجلس الأعلى.. عقل النهضة الجديدة

يبدو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية اليوم وكأنه المحرك الرئيس لهذه المرحلة؛ إذ يقود عملية إعادة تنظيم العمل الإسلامي في البلاد عبر مسارات متوازية تشمل الدعوة، والتعليم، والتنمية، وبناء الشراكات، وتعزيز السلم المجتمعي.

وتكشف الزيارات الميدانية المتواصلة التي يقودها فضيلة الشيخ عبد الكريم شيخ بدر الدين، النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، عن فلسفة جديدة في الإدارة تقوم على الاقتراب من المؤسسات والمبادرات الميدانية، وتشجيعها وتحفيزها، وربطها برؤية وطنية أوسع تخدم المجتمع والدولة معًا.

المجالس الإسلامية.. بناء الهيكل المؤسسي

ومن أبرز ملامح هذه النهضة العمل على تفعيل المجالس الإسلامية في الأقاليم والمناطق المختلفة، بما يخلق شبكة مؤسسية أكثر تنظيمًا وقدرة على الوصول إلى الناس واحتياجاتهم في مختلف أنحاء البلاد.

وتلعب هذه المجالس دورًا متزايدًا في ربط المؤسسة الإسلامية بالمجتمع المحلي، وتوسيع دائرة المشاركة، وتنسيق الأنشطة الدعوية والتعليمية والإنسانية بصورة أكثر فاعلية.

الشباب وصناعة القيادات الجديدة

وفي قلب هذا التحول، يبرز الاستثمار في الشباب باعتباره أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، عبر تأسيس مجالس شبابية في المؤسسات الإسلامية المختلفة، وفتح المجال أمام جيل جديد من الكوادر القادرة على الجمع بين الوعي الديني وفهم احتياجات المجتمع ومتطلبات الدولة الحديثة.

ويبدو هذا التوجه محاولة لصناعة قيادات مستقبلية أكثر انخراطًا في قضايا المجتمع، وأكثر قدرة على لعب أدوار وطنية تتجاوز حدود الخطاب التقليدي.

التعليم الشرعي.. صناعة الكوادر لا تخريج الطلاب فقط

يحتل ملف التعليم أولوية متقدمة في هذه المرحلة، ليس بوصفه تعليمًا شرعيًا تقليديًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا لإعداد الكوادر والقيادات الدينية والمجتمعية.

ويظهر ذلك في التوسع في دعم المدارس والمراكز القرآنية والكليات الشرعية، وبرامج المنح الدراسية داخل البلاد وخارجها، والسعي لإعداد جيل يجمع بين العلم الشرعي والكفاءة العلمية والقدرة على الإسهام في نهضة المجتمع.

الشراكات الإنسانية والتنموية.. دين في خدمة الناس

ومن أكثر التحولات وضوحًا توسع المجلس الأعلى في بناء الشراكات مع المؤسسات الإنسانية والوزارات والجهات الحكومية والمنظمات المحلية والدولية العاملة في البلاد.

وتكشف زيارة مؤسسة «خير فلاقين» عن هذا المسار بوضوح؛ إذ تعمل المؤسسة على حفر آبار المياه الجوفية، وتقديم الإغاثة العاجلة، وترميم منازل الفئات الضعيفة، ودعم المرضى، وبناء المدارس والمراكز الصحية، وهي ملفات تعكس فهمًا جديدًا للدور الديني باعتباره شريكًا في التنمية وتحسين جودة الحياة.

ولم يعد دور المؤسسة الإسلامية يقتصر على المنابر والمساجد والكليات الشرعية، بل بات يمتد إلى مساعدة الناس في الأقاليم والقرى، ودعم الجهات التي تخفف معاناة المواطنين وتبني الاستقرار المجتمعي.

السلام والتعايش.. الإسلام كقوة استقرار

في بلد متعدد الأعراق والأديان مثل إثيوبيا، تبدو مسألة التعايش والاستقرار إحدى أهم الأولويات، وهو ما يفسر الحضور المتزايد للمجلس الأعلى في ترسيخ ثقافة السلم المجتمعي والتعاون الوطني.

وتسعى المؤسسة الإسلامية إلى تعزيز فكرة أن المسلم ليس عنصرًا معزولًا داخل مجتمعه، بل شريك في بناء الدولة، والمشاركة في التنمية، ودعم الاستقرار، والإسهام في معالجة الأزمات الاجتماعية والإنسانية.

7 رسائل تكشف ملامح المرحلة الجديدة

1. انتقال المؤسسة الإسلامية من الدور التقليدي إلى الدور المؤسسي الشامل.

2. بناء شراكات متنامية مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية.

3. اعتبار التعليم أولوية لإعداد الكوادر والقيادات المستقبلية.

4. الاستثمار في الشباب وتفعيل دورهم المؤسسي.

5. دعم العمل الإنساني والتنمية باعتبارهما جزءًا من الرسالة الإسلامية.

6. تعزيز الحضور الإسلامي في الأقاليم عبر المجالس المحلية.

7. ترسيخ السلام والتعايش بوصفهما جزءًا من الدور الوطني للمسلمين في إثيوبيا.

وفي المحصلة، يبدو أن ما يعيشه المسلمون في إثيوبيا اليوم يتجاوز مجرد نشاط ديني متزايد، إلى مشروع مؤسسي واسع تتداخل فيه الدعوة والتعليم والتنمية والشراكات والسلام المجتمعي، في لحظة يراها كثيرون بداية عصر جديد من الحضور الإسلامي الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في البلاد.

ـ المصدر: تقارير وأنشطة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا

التخطي إلى شريط الأدوات