مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على مدى أكثر من مائة عام، مرّ التعليم الإسلامي في بلغاريا بمراحل متباينة بين الازدهار والتراجع، والبناء والهدم، والاستمرار والانقطاع. فمنذ تأسيس مدرسة «النواب» التاريخية في مدينة شومن عام 1922، والتي عُرفت بين المسلمين باسم «أزهر بلغاريا»، تشكلت نواة التعليم الإسلامي المؤسسي في البلاد، قبل أن تتعرض هذه المسيرة لانتكاسة كبيرة خلال الحقبة الشيوعية التي أغلقت المؤسسات الدينية وحاصرت التعليم الإسلامي لعقود طويلة.
وعندما سقط النظام الشيوعي عام 1989، وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدٍ تاريخي يتمثل في إعادة بناء منظومة تعليمية كاملة من الصفر تقريبًا؛ بدءًا من إعداد الأئمة والمعلمين، مرورًا بإحياء كتاتيب المساجد ودورات القرآن الكريم، ووصولًا إلى تأسيس المدارس الثانوية الشرعية والمعهد الإسلامي العالي، وإدخال التعليم الديني إلى المدارس الحكومية، وإعداد أول مناهج إسلامية باللغة البلغارية.
وخلال ستة وثلاثين عامًا، نجحت دار الإفتاء العامة في بلغاريا في بناء واحدة من أبرز التجارب التعليمية الإسلامية في أوروبا الشرقية، مستندة إلى رؤية تقوم على أن الحفاظ على الهوية الإسلامية يبدأ من التعليم، وأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات.
وانطلاقًا من أهمية هذه التجربة، تطلق «مسلمون حول العالم» هذه السلسلة التوثيقية الخاصة التي ترصد مسيرة التعليم الإسلامي في بلغاريا خلال القرن الأخير، وتستعرض أبرز محطاتها التاريخية، والتحديات التي واجهتها، والجهود التي بُذلت لإعادة إحيائها، والإنجازات التي تحققت على أرض الواقع.
وسيتعرف القارئ من خلال هذه السلسلة على قصة مدرسة «النواب» التاريخية، وجهود إعداد الأئمة والكوادر الدينية، ودور المعهد الإسلامي العالي، وكتاتيب المساجد، والدورات القرآنية الصيفية والشتوية، والمدارس الثانوية الشرعية، ومعلمات الدين الإسلامي، والتعليم الديني في المدارس الحكومية، والمناهج الإسلامية باللغة البلغارية، وغيرها من المحطات التي أسهمت في تشكيل ملامح النهضة التعليمية الإسلامية المعاصرة في بلغاريا.
إنها قصة مجتمع أدرك أن التعليم هو الطريق الأقصر لحماية الهوية، وأيقن أن بناء الأجيال هو الاستثمار الأهم في المستقبل. ومن أجل فهم هذه التجربة بكل أبعادها، لا بد من العودة إلى البداية؛ إلى المؤسسة التي صنعت النخبة الدينية والثقافية للمسلمين، وحملت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على الهوية الإسلامية في أصعب المراحل التاريخية.
في الحلقة الأولى:
«أزهر بلغاريا».. كيف حافظت مدرسة النواب على الحياة الإسلامية خلال النصف الأول من القرن العشرين؟