من اتفاقية 1913 إلى إغلاقها عام 1947.. قصة المؤسسة التي حفظت الهوية الإسلامية وصنعت النخبة العلمية لمسلمي بلغاريا
الحلقة الأولى ضمن سلسلة: «قرن من التعليم الإسلامي في بلغاريا»
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لفهم النهضة التي يشهدها التعليم الإسلامي في بلغاريا اليوم، لا بد من العودة إلى البدايات الأولى لهذا المشروع، وإلى المؤسسة التي شكلت على مدى عقود القلب النابض للحياة العلمية الإسلامية في البلاد، وهي مدرسة «النواب» التاريخية في مدينة شومن.
وترجع جذور هذه المؤسسة إلى الاتفاقية الموقعة بين بلغاريا وتركيا عام 1913، التي نصت على تنظيم عدد من القضايا المتعلقة بحقوق المسلمين ومؤسساتهم الدينية والتعليمية. غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون تنفيذ المشروع بصورة مباشرة، لتبدأ الدراسة رسميًا في المدرسة عام 1922، وتتحول سريعًا إلى أهم مؤسسة تعليمية إسلامية في البلاد.
ولم تكن مدرسة «النواب» مدرسة دينية تقليدية، بل كانت مشروعًا علميًا متكاملًا سبق عصره. فقد جمعت بين التعليم العام والعلوم الشرعية، إذ كانت تضم مرحلة ثانوية تمتد خمس سنوات، تُدرَّس فيها العلوم الطبيعية والإنسانية إلى جانب العلوم الإسلامية، ثم مرحلة معهد ديني لمدة ثلاث سنوات بعد الثانوية، يتخصص فيها الطلاب في العلوم الشرعية وإعداد الأئمة والقضاة والمعلمين.
ولهذا السبب اكتسبت المدرسة مكانة خاصة بين مسلمي بلغاريا، حتى أصبحت تُعرف باسم «أزهر بلغاريا»، لأنها كانت المؤسسة التعليمية الإسلامية الوحيدة في البلاد، والحاضنة الأساسية التي حافظت على استمرارية الحياة العلمية والدينية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ولعبت المدرسة دورًا محوريًا في تكوين النخبة العلمية للمجتمع المسلم، فتخرج فيها الأئمة والقضاة الشرعيون والخطباء والكتاب والشعراء والمثقفون، كما خرج من بين مئات خريجيها نحو أربعين عالمًا أسهموا في إثراء المكتبة الإسلامية والإنسانية بتأليف ما يقارب خمسمائة كتاب في مختلف مجالات المعرفة.
كما تميزت المدرسة بمستوى علمي رفيع، إذ كان كثير من أساتذتها من العلماء الذين تلقوا علومهم في دار الفنون في إسطنبول، ثم واصلوا دراساتهم العليا في جامعة الأزهر الشريف، وهو ما أسهم في بناء مدرسة علمية جمعت بين التراث الإسلامي العريق والانفتاح على الحركة العلمية في العالم الإسلامي.
إغلاق المدرسة وبداية مرحلة الجفاف الديني
غير أن هذه المسيرة تعرضت لانتكاسة كبيرة مع وصول النظام الشيوعي إلى السلطة، حيث أُغلقت مدرسة «النواب» عام 1947، وفقد المسلمون المؤسسة التعليمية المركزية الوحيدة التي كانت تتولى إعداد الأئمة والعلماء والمعلمين بصورة منظمة؛ لتدخل بلغاريا مرحلة جديدة اتسمت بتجفيف منابع التعليم الإسلامي وإضعاف مؤسساته.
ولم يقتصر الأمر على إغلاق المدارس، بل امتد إلى التضييق على العلماء والأئمة، ومصادرة الأوقاف الإسلامية التي كانت تمثل المورد المالي للمؤسسات الدينية، وإضعاف النشاط التعليمي المنظم، حتى أصبح نقل المعرفة الإسلامية يعتمد في كثير من الأحيان على الجهود الفردية والتعليم غير الرسمي داخل بعض المساجد والمنازل.
كما شهدت العقود اللاحقة حملات استهدفت الهوية الإسلامية للمجتمع المسلم، وتزايدت الضغوط بصورة خاصة خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما جعل الحفاظ على التعليم الديني يمثل تحديًا وجوديًا للمسلمين في البلاد.
من بقايا الحلقات العلمية إلى بداية النهضة الجديدة
ورغم هذه الظروف الصعبة، لم تنقطع جذوة العلم بصورة كاملة، إذ حافظت بعض المناطق ذات الأغلبية المسلمة، ومن بينها مدينة مادان ـ التي اشتهرت بأنها مدينة حفاظ القرآن الكريم ـ وتقع في جنوب بلغاريا، على أشكال محدودة من التعليم الديني غير الرسمي، واستمرت محاولات تعليم القرآن الكريم ونقل أساسيات الدين من جيل إلى آخر، حتى وإن جرت في ظروف شديدة الصعوبة.
ومع سقوط النظام الشيوعي عام 1989، وجد المسلمون أنفسهم أمام فراغ تعليمي هائل؛ فلا مدارس دينية فاعلة، ولا كوادر كافية، ولا منظومة قادرة على تلبية احتياجات مجتمع مسلم يزيد تعداده على مليون نسمة. ومن هنا بدأت واحدة من أهم عمليات إعادة بناء التعليم الإسلامي في أوروبا الشرقية خلال العقود الأخيرة.
لكن السؤال الذي فرض نفسه آنذاك كان واضحًا: كيف يمكن إعادة إعداد الأئمة والمعلمين والخطباء بعد أكثر من أربعة عقود من الانقطاع؟
هذا ما سنتعرف عليه في الحلقة الثانية من هذه السلسلة:
كيف بدأت دار الإفتاء العامة إعادة بناء الأئمة والكوادر الدينية بعد سقوط الشيوعية؟
طالع مقدمة السلسلة:
