جسر ثقافي بين البوسنة وتركيا يتجسد في 54 عملاً فنياً
من تراث الفنون الإسلامية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على امتداد قرون طويلة، لم تكن المؤسسات التعليمية الإسلامية في البوسنة والهرسك مجرد مدارس لتلقّي العلوم والمعارف، بل تحولت إلى منارات ثقافية وحضارية لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمسلمين في قلب أوروبا. ومن بين هذه المؤسسات العريقة برزت مدارس البوسنة التاريخية بوصفها جسورًا ثقافية ربطت المجتمع المسلم في البلقان بالعالم الإسلامي، وأسهمت في نقل العلوم والفنون والآداب الإسلامية عبر الأجيال، لتصبح جزءًا أصيلًا من المشهد الحضاري والثقافي للمنطقة.
وفي مدينة توزلا، تواصل مدرسة بهرام بك هذا الدور التاريخي بعد أربعة قرون من تأسيسها، مؤكدة أن رسالتها لا تقتصر على التعليم فحسب، بل تمتد إلى صون التراث الثقافي والفني الإسلامي وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة. وفي هذا السياق، احتضنت المدرسة معرضًا فنيًا دوليًا جمع أعمالًا من البوسنة وتركيا، في مشهد يجسد استمرار الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت البلقان بالعالم الإسلامي عبر مئات السنين.
فقد افتُتح في مدرسة بهرام بك بمدينة توزلا معرض «أثر الزهرة الذهبية»، ضمن برنامج الاحتفال بمرور 400 عام على تأسيس المدرسة، وبمناسبة مرور 1500 عام على مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بمشاركة نخبة من الفنانين والخطاطين المتخصصين في الفنون الإسلامية التقليدية.
أربعة قرون من التعليم والثقافة
ويُذكر بأن مدرسة بهرام بك تعد واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية الإسلامية في البوسنة والهرسك، حيث أسهمت على مدى أربعة قرون في تخريج أجيال من العلماء والمثقفين والدعاة، وحافظت على حضورها بوصفها مركزًا للتعليم والثقافة وخدمة المجتمع.
وجاء تنظيم هذا المعرض ضمن سلسلة فعاليات ثقافية وعلمية تقيمها المدرسة احتفاءً بيوبيلها الرابع، تأكيدًا على استمرار دورها في رعاية المعرفة والفنون الإسلامية وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها الحضاري.
54 عملاً فنياً توثق جماليات التراث الإسلامي
وضم المعرض 54 عملًا فنيًا مختارًا من مجموعة أوسع من الأعمال المتخصصة في الفنون الإسلامية، شملت فن الخط العربي «الحُسن خط»، وفن التذهيب والزخرفة الإسلامية، وفن الإبرو «الرسم على الماء»، إلى جانب فنون تجليد المخطوطات وصيانتها وترميمها.
وشارك في المعرض فنانون وأكاديميون من تركيا بالتعاون مع جامعة إسطنبول مدنيات ومؤسسة مافيرا، إضافة إلى أعمال للأستاذ الدكتور قازم حاجي مييليتش، أحد أبرز المتخصصين في فنون الخط والزخرفة في البوسنة والهرسك.
وأكد المشاركون أن هذه الأعمال تمثل نماذج فنية نادرة تعكس جانبًا مهمًا من التراث الإسلامي الذي ظل حاضرًا في البوسنة لقرون طويلة، قبل أن تتراجع بعض هذه الفنون خلال العقود الماضية.
جسر ثقافي بين البوسنة وتركيا
وعكس المعرض عمق العلاقات الثقافية والحضارية بين البوسنة وتركيا، حيث اجتمعت أعمال الفنانين من البلدين في مساحة واحدة تؤكد استمرار التواصل الثقافي بين شعوب المنطقة والعالم الإسلامي.
وشهدت الفعالية مشاركة الفنانة التركية خديجة شيما ينيجري تشيليك، المتخصصة في فن التذهيب وصيانة المخطوطات، إلى جانب أعمال ثلاثة عشر من طلابها، في خطوة تعكس اهتمام المؤسسات الثقافية التركية بالمساهمة في إحياء الفنون الإسلامية التقليدية في البلقان.
الفن الإسلامي بين الحفظ والتجديد
وأكد الدكتور قازم حاجي مييليتش أن المعرض يتيح للجمهور البوسني فرصة الاطلاع على أعمال فنية نادرة قلّما تُعرض في البلاد، مشيرًا إلى أن العديد من هذه الفنون كانت جزءًا من المشهد الثقافي المحلي قبل أن تتراجع بفعل التحولات التاريخية والاجتماعية.
وأضاف أن إعادة تقديم هذه الفنون داخل المؤسسات التعليمية والثقافية تمثل خطوة مهمة نحو حفظ التراث الإسلامي وإعادة ربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية.
ويُذكر بأن البوسنة والهرسك تضم مجتمعًا مسلمًا عريقًا يشكل نحو نصف سكان البلاد، وتواصل مؤسساتها التعليمية والثقافية أداء دور مهم في حماية التراث الإسلامي وتعزيز حضوره في مجالات الثقافة والفنون والتعليم، بما يسهم في الحفاظ على الهوية الحضارية للمسلمين في قلب أوروبا.
ـ المصدر: الإدارة الدينية الإسلامية في توزلا








