برنامج تربوي يحوّل إجازة منتصف العام الدراسية
إلى بيئة تعزز ثقة الأطفال بقيمهم وهويتهم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بينما تمثل إجازة منتصف العام الدراسية في البرازيل، أكبر دول أمريكا اللاتينية، فترة راحة وفراغ لدى كثير من الأطفال، ينظر إليها المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في فيلا كاهون بمدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية، بإشراف فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي رئيس المركز، بوصفها فرصة تربوية ثمينة لاستثمار الوقت في بناء الشخصية الإسلامية، وتعزيز ارتباط الأجيال الناشئة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم التي تشكل هويتها الدينية والثقافية.
وفي مجتمع تتعدد فيه الثقافات واللغات والانتماءات في غرب الأطلسي؛ في دولة تعادل نصف قارة في المساحة وعدد السكان؛ تبرز أهمية المبادرات التعليمية التي توفر للأطفال بيئة تجمع بين التعلم والتربية والتفاعل الإيجابي، بما يساعدهم على ترسيخ هويتهم الإسلامية، وتعميق صلتهم بمجتمعهم ومؤسساتهم الدينية، وتنمية شعورهم بالانتماء والثقة والاعتزاز بقيمهم.
المركز الإسلامي في فيلا كاهون يوسّع برامجه التعليمية خلال يوليو
وفي هذا الإطار، يستعد المركز الإسلامي في فيلا كاهون بمدينة ساو باولو لإطلاق برنامج تربوي مكثف خلال إجازة منتصف العام الدراسية في البرازيل، في خطوة تستهدف تحويل فترة الفراغ الدراسي إلى فرصة تعليمية وتربوية تعزز ارتباط الأطفال بالقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الإسلامية، وتحافظ على استمرارية البناء المعرفي والتربوي خلال العطلة المدرسية.
ويأتي البرنامج استجابة لحاجة متزايدة لدى الأسر المسلمة في مدينة ساو باولو إلى توفير بيئة تعليمية آمنة تحتضن الأطفال خلال الإجازة، وتجمع بين التعليم والتربية والتفاعل الاجتماعي في إطار يحافظ على الهوية الإسلامية ويعزز الانتماء للمجتمع المسلم.
فقد قرر المركز توسيع برامجه المعتادة خلال شهر يوليو، عبر زيادة أيام النشاط وإضافة فترات تعليمية صباحية جديدة، بما يتيح للأطفال الاستفادة من أوقات الفراغ في تعلم القرآن الكريم والسنة النبوية والعقيدة والأخلاق الإسلامية ضمن برنامج متكامل يجمع بين المعرفة والتطبيق والتفاعل المجتمعي.
البرنامج التعليمي.. منهج متكامل بإشراف أكاديمي وتربوي متخصص
يقوم البرنامج على منهج تربوي وتعليمي متكامل يهدف إلى بناء الطفل المسلم معرفيًا وسلوكيًا وقيميًا، من خلال الجمع بين تعليم القرآن الكريم وتحفيظه ومراجعته، ودراسة مختارات من السنة النبوية عبر الأربعين النووية للأطفال، إلى جانب دروس العقيدة والآداب والأخلاق الإسلامية، ضمن رؤية تربوية تسعى إلى بناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة والإيمان والسلوك.
وتُقدَّم برامج الدورة باللغتين العربية والبرتغالية، بما يتيح للأطفال من مختلف الخلفيات اللغوية الاستفادة من المحتوى التعليمي، ويساعد على ربط الأجيال الجديدة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الإسلامية بلغة يفهمونها ويعيشون بها واقعهم اليومي في البرازيل، كما يمنح أبناء الجيل الجديد فرصة لفهم العلوم الإسلامية بلغة مجتمعهم اليومية مع الحفاظ على صلتهم باللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم.
ويُشرف على الدورة فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي، رئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية، والذي يقود منذ سنوات مشروعًا تربويًا وتعليميًا يركز على بناء الأجيال الناشئة وتعزيز ارتباطها بدينها وهويتها الإسلامية.
كما يشارك في تنفيذ البرنامج نخبة من المعلمين والدعاة المتخصصين، يتقدمهم الدكتور أحمد مهنا، خريج كلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر، الذي يتولى الإشراف على البرنامج القرآني وتعليم التلاوة والحفظ والمراجعة، بما يضفي على الدورة بعدًا علميًا وتخصصيًا في تعليم كتاب الله تعالى وعلومه.
ولا يقتصر البرنامج على الجانب القرآني، بل يشمل أيضًا دروسًا في العقيدة الإسلامية مستمدة من كتاب «ما لا يسع أطفال المسلمين جهله»، إلى جانب شرح مبسط للأربعين النووية للأطفال وبرامج تربوية تهتم بالآداب والأخلاق والسلوك الإسلامي، في إطار يسعى إلى ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي في حياة الطفل اليومية.
ويعكس هذا البناء المتكامل إدراك القائمين على البرنامج أن حماية الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة لا تتحقق من خلال التعليم الجزئي أو الموسمي، بل عبر منظومة تجمع بين القرآن الكريم والسنة النبوية والعقيدة والأخلاق والتربية العملية، بما يرسخ الثقة والانتماء ويؤسس لجيل أكثر وعيًا بدينه وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع من حوله.
بث مباشر يتجاوز حدود ساو باولو
ومن أبرز ما يميز الدورة هذا العام إتاحة متابعة الدروس والبرامج التعليمية عبر البث المباشر على شبكة الإنترنت، بما يفتح المجال أمام أبناء المسلمين في الولايات البرازيلية البعيدة والمناطق التي لا تتوافر فيها مؤسسات تعليمية إسلامية منتظمة للاستفادة من محتوى الدورة والمشاركة في أنشطتها التربوية.
وفي تصريح لـ«مسلمون حول العالم»، أوضح فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي أن الهدف من البث المباشر يتجاوز مجرد نقل الدروس، ليكون جزءًا من مشروع أوسع لبناء نهضة قرآنية وحديثية وقيمية بين أبناء الجيل الجديد، تنطلق من مدينة ساو باولو وتمتد إلى مختلف ولايات البرازيل، ثم إلى المجتمعات المسلمة في دول أمريكا اللاتينية، بما يسهم في توسيع دائرة الاستفادة من البرامج التعليمية وربط الأجيال الناشئة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الإسلامية أينما وجدت.
الأسرة شريك في العملية التعليمية
ولا ينظر القائمون على البرنامج إلى الطفل بوصفه المتلقي الوحيد للعملية التعليمية، بل ينطلقون من قناعة تربوية راسخة بأن الأسرة تمثل الشريك الأول في بناء الهوية وترسيخ القيم وتعزيز أثر التعلم خارج قاعات الدراسة وحلقات التعليم.
ومن هذا المنطلق، تحرص الدورة على إيجاد بيئة تربوية واجتماعية تجمع الأطفال وأولياء أمورهم في فضاء واحد، بما يتيح للأسرة متابعة المسار التعليمي للأبناء والمشاركة في دعمهم وتشجيعهم، ويعزز التواصل بين البيت والمؤسسة التعليمية في أداء رسالتهما المشتركة.
كما يشكل الغداء والعشاء الجماعي واللقاءات المصاحبة للبرنامج مساحة إنسانية وتربوية مهمة تتجاوز الجانب التنظيمي، إذ تتيح للأسر التعارف وتبادل الخبرات وبناء علاقات اجتماعية إيجابية داخل المجتمع المسلم في مدينة ساو باولو، بما يسهم في تعزيز روح الانتماء والتكافل والتعاون بين العائلات المسلمة.
وتكتسب هذه الجوانب أهمية خاصة في مجتمع متعدد الثقافات واللغات مثل المجتمع البرازيلي، حيث لا تقتصر مهمة المؤسسات الإسلامية على التعليم فحسب، بل تمتد إلى بناء بيئة اجتماعية داعمة تساعد الأطفال على النمو في محيط يشعرهم بالانتماء والثقة والاعتزاز بهويتهم الإسلامية.
وبذلك تتحول الدورة من برنامج تعليمي موسمي إلى تجربة مجتمعية متكاملة تجمع بين التعليم والتربية والتواصل الأسري، وتسهم في بناء روابط أكثر قوة بين الأجيال الناشئة وأسرهم ومؤسساتهم الدينية والمجتمعية.
جزء من منظومة تعليمية مستمرة
وتكتسب هذه الدورة الشتوية أهمية إضافية لأنها لا تمثل برنامجًا موسميًا معزولًا، بل تأتي ضمن منظومة تعليمية وتربوية متواصلة يشرف عليها المركز الإسلامي في فيلا كاهون بمدينة ساو باولو والمركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية، بإشراف فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي، رئيس المركزين.
وتقوم هذه المنظومة على رؤية تربوية طويلة المدى تستهدف مرافقة الأطفال والناشئة على مدار العام، من خلال برامج قرآنية وتعليمية وتربوية متدرجة تراعي احتياجاتهم العمرية والمعرفية، وتسعى إلى بناء علاقة مستمرة بينهم وبين القرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الإسلامية.
ولا تنطلق الدورة الحالية من فراغ، بل تأتي امتدادًا لمسار تعليمي متواصل يحرص على استثمار مختلف المواسم الدراسية والإجازات السنوية في تقديم برامج تجمع بين التعليم والتربية وبناء الشخصية، بما يحد من الانقطاع المعرفي والتربوي خلال فترات التوقف المدرسي.
كما تعكس هذه المنظومة إدراكًا متزايدًا لأهمية العمل المؤسسي المستدام في المجتمعات المسلمة بأمريكا اللاتينية، حيث لا يقتصر الهدف على تقديم دروس مؤقتة أو أنشطة موسمية، بل يتجه نحو بناء أجيال أكثر ارتباطًا بدينها وهويتها ومؤسساتها الإسلامية، وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع الذي تعيش فيه.
ومن خلال هذا النهج، تتحول الدورة التربوية التعليمية في ساو باولو من برنامج خاص بإجازة منتصف العام إلى محطة ضمن مشروع تربوي متكامل يعمل طوال العام على صناعة بيئة تعليمية حاضنة للأجيال الجديدة، وتعزيز حضور القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في حياة الأطفال والأسر المسلمة في البرازيل.
البرازيل والمسلمون
تُعد البرازيل أكبر دول أمريكا الجنوبية مساحة وسكانًا، ويزيد عدد سكانها على 210 ملايين نسمة، فيما يُقدَّر عدد المسلمين فيها بأكثر من مليون مسلم بين مواطنين ومقيمين من أصول وخلفيات ثقافية متعددة. وتُشكل مدينة ساو باولو، أكبر مدن البرازيل، القلب الرئيس للحياة الإسلامية في البلاد، إذ تحتضن عددًا من المساجد والمراكز الإسلامية والمؤسسات التعليمية والثقافية التي تؤدي دورًا محوريًا في تعليم الأجيال الجديدة والحفاظ على الهوية الإسلامية وتعزيز حضور المجتمع المسلم داخل المجتمع البرازيلي.
وتزداد أهمية هذه المؤسسات في ظل اتساع المسافات الجغرافية داخل البرازيل وتنوع البيئات الثقافية واللغوية، الأمر الذي يجعل التعليم الإسلامي المنتظم أحد أهم الأدوات للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للأجيال الناشئة وربطها بقيمها ومجتمعها.
خاتمة
تعكس التجربة التي يقودها المركز الإسلامي في فيلا كاهون بمدينة ساو باولو، بإشراف فضيلة الدكتور عبدالحميد متولي، رؤية تتجاوز حدود تنظيم دورة موسمية خلال إجازة منتصف العام الشتوية، لتقدم نموذجًا عمليًا في كيفية استثمار أوقات الفراغ لبناء الإنسان وتعزيز الهوية وصناعة الانتماء.
فبينما ينظر كثيرون إلى الإجازة المدرسية باعتبارها فترة راحة مؤقتة، ينظر إليها القائمون على هذا المشروع باعتبارها فرصة تربوية ثمينة لتقوية صلة الأطفال بالقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الإسلامية، في بيئة تجمع بين التعليم والتربية والتفاعل الأسري والمجتمعي.
ويؤكد هذا النموذج أن مستقبل المجتمعات المسلمة في البرازيل وأمريكا اللاتينية لا يُبنى بالمناسبات العابرة، بل بالعمل التربوي المستدام القادر على مرافقة الأجيال الجديدة، وترسيخ هويتها، وإعدادها لتكون أكثر ثقة بدينها وأكثر ارتباطًا بمجتمعها وأكثر قدرة على الإسهام الإيجابي في أوطانها.
ـ المصدر: المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية






