مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ماري بتول الطعمة.. ثلاثة عقود في خدمة المسلمين الجدد وبناء جسور الانتماء في بريطانيا

بقلم الكاتب والإعلامي الدكتور مجدي سعيد ضمن سلسلة «نقاط مضيئة»

«نقاط مضيئة» سلسلة توثق النماذج الإنسانية الملهمة والمبادرات الرائدة التي تصنع الأثر وتبث الأمل، وتسلط الضوء على شخصيات ومؤسسات أسهمت في خدمة مجتمعاتها وتركت بصمات إيجابية تستحق أن تُروى وتُلهم الآخرين.

مسلمون حول العالم ـ متابعات

كرّست ماري بتول الطعمة أكثر من ثلاثة عقود من حياتها لخدمة المسلمين الجدد في بريطانيا، محولةً تجربتها الشخصية بعد اعتناق الإسلام إلى مشروع متكامل في الإرشاد والتعليم وبناء شبكات الدعم المجتمعي.

وفي هذه الحلقة من سلسلة «نقاط مضيئة» نسلط الضوء على مسيرتها التي استحقت عنها جائزة الإنجاز مدى الحياة لعام 2026، تقديرًا لعطائها الممتد في رعاية المهتدين الجدد ومساندتهم.

تأتي سلسلة «نقاط مضيئة» بقلم الكاتب والإعلامي الدكتور مجدي سعيد لتسلط الضوء على الشخصيات والمبادرات والمؤسسات التي تركت أثرًا إيجابيًا في مجتمعاتها، وقدمت نماذج عملية في البناء والعطاء وخدمة الإنسان. وتسعى السلسلة إلى إبراز قصص النجاح الملهمة ونشر ثقافة الأمل، إيمانًا بأن التجارب المضيئة تستحق أن تُروى وأن تكون مصدر إلهام للأجيال.

بقلم: الدكتور مجدي سعيد

من يستمع إلى قصص اهتداء الناس في بلاد الغرب يدرك أن قسمًا كبيرًا منهم، خاصة النساء، يواجه تحديات كبيرة بعد اتخاذ قرار اعتناق الإسلام. فالبعض يعاني من توتر علاقته بأسرته أو أصدقائه، والبعض الآخر يفتقد الدعم بعد لحظات الاحتفاء الأولى بإعلانه الإسلام، بينما يجد آخرون أنفسهم أمام مجتمعات مسلمة منشغلة بانتماءاتها العرقية أو الوطنية أو الفكرية، دون وجود إطار جامع يحتضنهم ويعينهم على بداية حياتهم الجديدة.

وتعود معظم هذه المعاناة إلى حاجة الإنسان الفطرية للانتماء إلى مجتمع يمنحه الدعم والاحتواء ويعينه على تجاوز التحديات. ومن هنا برزت جهود الأستاذة ماري بتول الطعمة (Mary Batool Al-Toma)، التي كرست حياتها لخدمة المسلمين البريطانيين الجدد، وهو العطاء الذي تُوِّج بتكريمها في السادس من يوليو 2026 بجائزة الإنجاز مدى الحياة، التي تمنحها صحيفة «ذا مسلم نيوز» البريطانية، تقديرًا لأكثر من ثلاثة عقود من العمل المتواصل في هذا المجال.

مسيرة بدأت بالتجربة الشخصية

تُعد ماري بتول الطعمة مؤسسة وعضو مجلس أمناء «مؤسسة المسلمين المتحولين» (Convert Muslim Foundation)، التي أسستها عام 2019، امتدادًا لمسيرة بدأتها عام 1993 عندما تولت إدارة مشروع المسلمين الجدد في المؤسسة الإسلامية (Islamic Foundation) بمدينة ليستر، واستمرت فيه حتى عام 2018. وخلال تلك السنوات أسست وحررت مجلة «ميتنج بوينت» (Meeting Point)، التي أصبحت أول مجلة متخصصة في خدمة المسلمين الجدد.

وُلدت ماري عام 1955 في أسرة ريفية أيرلندية كاثوليكية متدينة، وأتمت تعليمها قبل الجامعي في مدرسة داخلية، ثم انتقلت إلى العاصمة دبلن، حيث التقت في سبعينيات القرن الماضي بمجموعة من الطلاب المسلمين الماليزيين. وقد شدها ما رأته فيهم من أخلاق راقية، وأدب، وروابط اجتماعية متينة، فبدأت تحضر لقاءاتهم الدينية وتتحاور معهم لسنوات، حتى وجدت إجابات عن تساؤلاتها حول العقيدة المسيحية، واكتشفت توافقًا كبيرًا بين القيم التي تربت عليها وتعاليم الإسلام، فأعلنت إسلامها عام 1979.

ومن رحم هذه التجربة الشخصية، وما صاحبها من توترات أسرية وشعور بالعزلة، قررت أن تجعل معاناتها منطلقًا لخدمة الآخرين، حتى لا يواجه المسلمون الجدد ما واجهته وحدها. وهكذا أصبحت تجربتها أساسًا لمسيرة طويلة من العطاء والدعم.

خمسة وعشرون عامًا في خدمة المسلمين الجدد

على مدى خمسة وعشرين عامًا، قادت ماري بتول مشروع المسلمين الجدد، وقدمت من خلاله الإرشاد العملي، والتوجيه، والتعليم، والدعم النفسي لآلاف المهتدين الجدد. وأصبح المشروع مرجعًا موثوقًا لكل من يبحث عن المعرفة الدينية، أو يحتاج إلى المساندة في بناء الأسرة، أو تكوين الهوية الإسلامية، أو الاندماج داخل المجتمع المسلم.

وانطلقت في عملها من رؤية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، مؤداها أن من خاض تجربة اعتناق الإسلام هو الأقدر على فهم احتياجات من يمرون بالتجربة ذاتها، وهي الفلسفة التي واصلت تطبيقها لاحقًا في «مؤسسة المسلمين المتحولين».

بناء المعرفة والانتماء

سعت ماري بتول إلى بناء مجتمع متماسك للمسلمين الجدد من خلال توفير المواد التعليمية والموارد التي تساعدهم على النمو الروحي والفهم العملي للإسلام. ومن أبرز إنجازاتها تأسيس وتحرير مجلة «ميتنج بوينت»، التي بدأت كنشرة متواضعة، ثم تحولت إلى مرجع معروف محليًا ودوليًا للمسلمين الجدد.

واستمدت المجلة اسمها من الكعبة المشرفة بوصفها نقطة الالتقاء الروحية للمسلمين حول العالم، وظلت لعقود تقدم التوجيه والأخبار المجتمعية ورسائل التشجيع، كما وُزعت داخل سجون المملكة المتحدة لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، لتدعم من اعتنقوا الإسلام خلال فترة سجنهم.

كما ألفت عددًا من المواد التعليمية المهمة، من بينها «دليل مبسط للصلاة للمبتدئين»، إضافة إلى تصميمها وتقديمها العديد من البرامج التدريبية، ومنها برنامج «الرحلة الأخيرة»، جامعـةً في كل ذلك بين التأصيل الشرعي وفهم التحديات الخاصة بالمسلمين الجدد في المجتمع البريطاني.

الانتماء قبل كل شيء

إيمانًا منها بأهمية بناء شعور حقيقي بالانتماء، نظمت ماري بتول العديد من الأنشطة والبرامج، وفي مقدمتها الخلوات الرمضانية السنوية، التي أتاحت للمسلمين الجدد أجواءً من الصحبة الصالحة والدعم الروحي والتواصل الاجتماعي.

كما استلهمت تجربة السيدة إيفلين كوبولد، أول امرأة بريطانية المولد تؤدي فريضة الحج بعد إسلامها، فنظمت وقادت مجموعات خاصة بالحج والعمرة للمسلمين الجدد، إيمانًا منها بأن هذه الرحلة الإيمانية تحتاج إلى بيئة داعمة تمنحهم الطمأنينة والثقة.

إسهامات علمية ومجتمعية

لم يقتصر دور ماري بتول على العمل الميداني، بل امتد إلى تعزيز الفهم المجتمعي لظاهرة اعتناق الإسلام في بريطانيا، حيث قدمت رؤى مهمة حول التحول إلى الإسلام، والحياة الأسرية، وواقع المجتمعات المسلمة، وأسهمت في تصحيح كثير من التصورات الخاطئة.

كما شاركت في مشروعات بحثية وتطويرية بالتعاون مع جامعة كامبريدج، وأسهمت في إعداد دراسات وتقارير تناولت التحول إلى الإسلام داخل السجون، واحتياجات إعادة التأهيل والاندماج بعد الإفراج عن السجناء، لتسهم بذلك في بناء معرفة علمية تستند إلى الأدلة حول احتياجات المسلمين الجدد في بريطانيا.

استمرار الرسالة

بعد خمسة وعشرين عامًا من العمل في مشروع المسلمين الجدد، واصلت ماري بتول رسالتها من خلال «مؤسسة المسلمين المتحولين»، التي تأسست عام 2019 بوصفها مؤسسة وطنية تعنى بدعم المسلمين الجدد في مختلف أنحاء بريطانيا، وتطوير أداء المؤسسات العاملة في هذا المجال، ووضع المعايير، ونشر أفضل الممارسات، وبناء القدرات، والتدريب، والبحث، وتعزيز العمل التشاركي.

الخاتمة

ما قدمته ماري بتول الطعمة على مدار ثلاثة وثلاثين عامًا في خدمة المسلمين الجدد، إلى جانب جهود عشرات المؤسسات والبرامج المحلية في بريطانيا، يمثل نموذجًا مضيئًا، لكنه لا يزال جزءًا من احتياجات واسعة ومتنامية. فمع تزايد أعداد المقبلين على الإسلام في أنحاء العالم، تبرز الحاجة إلى مئات المؤسسات وآلاف المتطوعين والمتخصصين الذين يعملون على احتضان المسلمين الجدد، وتقديم الدعم الروحي والتربوي والتعليمي لهم، بما يساعد على ترسيخ الإسلام في بيئاتهم بما ينسجم مع ثقافاتهم واحتياجاتهم. والله أعلم.

المصدر (بتصرف):

تقرير مؤسسة المسلمين المتحولين حول فوز ماري بتول الطعمة بجائزة الإنجاز مدى الحياة.

تقرير موقع «إسلاميك سيتي» عن قصة إسلام ماري بتول الطعمة.

تقرير صحيفة «ذا مسلم نيوز» عن الفائزين بجوائزها لعام 2026.

حلقة «رحلتي إلى الإسلام» على قناة الحوار.

التخطي إلى شريط الأدوات