مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

روسيا.. بطولة للرماية بالقوس تعيد إحياء التراث الإسلامي التتري في تتارستان

111 رامياً من روسيا وتركيا يجتمعون في يلابوغا بوسط روسيا لإحياء سنة الرماية وربط الأجيال بتاريخ المسلمين في منطقة الفولغا

مشروع حضاري يحول الرياضة إلى وسيلة لصون

الهوية الإسلامية والتترية وإحياء الذاكرة التاريخية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في الحضارات العريقة، لا تُقاس قوة الشعوب بما تحفظه في المتاحف وحدها، بل بقدرتها على إبقاء تراثها حاضرًا في حياة الناس. فالموروث الثقافي والديني يفقد كثيرًا من أثره إذا بقي معروضًا خلف واجهات زجاجية، بينما يكتسب حياة جديدة عندما يتحول إلى ممارسة مجتمعية تشارك فيها الأجيال، فتتعلم من خلالها تاريخها، وتفهم هويتها، وتعيش قيمها في الواقع.

ولهذا تتجه كثير من المجتمعات الإسلامية التاريخية في الدول غير المسلمة إلى إحياء تراثها عبر مشروعات تجمع بين الثقافة والرياضة والتعليم والسياحة، باعتبارها أدوات قادرة على نقل الهوية من الكتب إلى الميدان، ومن الذاكرة إلى الممارسة اليومية، بما يحافظ على استمرارية الشخصية الحضارية للمجتمع.

وفي هذا السياق، استضافت مدينة يلابوغا في جمهورية تتارستان، الواقعة في وسط روسيا، النسخة الخامسة من بطولة «توغان باتير» للرماية بالقوس التقليدي، وهو مشروع رياضي وثقافي يهدف إلى إحياء سنة الرماية، والحفاظ على التراث الإسلامي التتري، بمشاركة 111 رامياً من جمهوريتَي تتارستان وباشكيريا، ومقاطعتي أستراخان وأوليانوفسك، إضافة إلى تركيا.

الموقع التاريخي يتحول إلى منصة لإحياء التراث

لم يكن اختيار منطقة «يلابوغا الأثرية» لاستضافة البطولة مجرد اختيار لموقع ذي قيمة تاريخية، بل جاء ليجعل المكان نفسه جزءًا من رسالة الحدث. فهذا الموقع يحتضن بقايا المسجد البلغاري المشيد في القرن العاشر الميلادي، أحد أقدم الشواهد الإسلامية في منطقة الفولغا، ليغدو التراث الإسلامي حاضرًا في قلب الفعالية، لا مجرد خلفية تاريخية لها.

ومن خلال إقامة البطولة في هذا الموقع، تحولت الأرض التي شهدت نشأة إحدى أقدم الحضارات الإسلامية في روسيا إلى مساحة تتفاعل فيها الرياضة مع التاريخ، ويعيش المشاركون والزوار تجربة تربطهم مباشرة بالإرث الإسلامي والتتري، في نموذج يعيد للمواقع التاريخية دورها بوصفها مراكز للحياة والثقافة، لا معالم صامتة تقتصر وظيفتها على الزيارة.

إحياء السنة من خلال الممارسة

وافتُتحت البطولة بتلاوة آيات من القرآن الكريم والدعاء، فيما أكد النائب الأول لمفتي جمهورية تتارستان، فضيلة الشيخ إيلفار حضرة حسنوف، أن الرماية سنة عن النبي محمد ﷺ، وأن استمرار البطولة للعام الخامس يمثل نموذجًا عمليًا لإحياء هذه السنة، وربطها بحياة الشباب في إطار يجمع بين الرياضة والتربية والقيم الإسلامية.

كما كرّم عددًا من القائمين على البطولة تقديرًا لجهودهم في تطوير هذا المشروع الذي يجمع بين الرسالة الدينية والبعد الثقافي.

الصلاة تؤكد هوية الحدث

وعقب الافتتاح، أدى المشاركون والضيوف وسكان مدينة يلابوغا صلاة الظهر جماعة على أساسات المسجد البلغاري التاريخي، ثم رفعوا الدعاء، في مشهد جسّد الهوية الإسلامية للبطولة، وأكد أن الهدف لا يقتصر على تنظيم منافسات رياضية، بل يمتد إلى إحياء المكان، واستحضار تاريخه، وربط الحاضر بجذور الإسلام في منطقة الفولغا.

التراث حين يصبح أسلوب حياة

وتقدم البطولة نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل التراث الإسلامي التتري إلى ممارسة مجتمعية متكاملة. فلم تقتصر الفعالية على مسابقات الرماية، بل اشترطت ارتداء الأزياء القومية التترية، واستخدام الأقواس والسهام التقليدية، ونظمت معارض للحرف اليدوية، وورشًا للرماية ورمي الرمح، وعروضًا للفنون الشعبية، وركوب الخيل، وبطولة للمصارعة التترية «كوراش»، إضافة إلى برامج تعليمية وترفيهية للأطفال.

ويعكس هذا النموذج رؤية تتبناها المؤسسات الدينية والثقافية في جمهورية تتارستان بوسط روسيا، تقوم على أن الحفاظ على التراث لا يتحقق بعرضه داخل المتاحف فحسب، بل بتحويله إلى تجربة يعيشها المجتمع بكل فئاته، فتنتقل القيم والمهارات والذاكرة التاريخية بصورة طبيعية بين الأجيال، ويظل التراث الإسلامي التتري حاضرًا في الوجدان والحياة العامة، لا مجرد موروث يروى عن الماضي.

من منافسة رياضية إلى مشروع حضاري

ومنذ انطلاقها عام 2022، تجاوزت بطولة «توغان باتير» حدود المنافسة الرياضية، لتصبح مشروعًا حضاريًا يوظف الرياضة في خدمة الهوية، ويعيد تقديم التراث الإسلامي والتتري في صورة معاصرة تجمع بين التعليم والثقافة والسياحة والعمل المجتمعي، بما يعزز ارتباط الشباب بتاريخهم، ويجعل التراث عنصرًا فاعلًا في بناء الحاضر.

وأكد صاحب المشروع راديك عبد الرحمنوف أن الهدف يتمثل في تطوير البطولة لتتحول إلى مهرجان عالمي يستقطب المشاركين والزوار من مختلف دول العالم، ويجعل من يلابوغا منصة دولية للتعريف بالتراث الإسلامي والتتري، وإبراز حضارة المسلمين في منطقة الفولغا.

تكامل المؤسسات لبناء القوة الناعمة

ويبرز هذا المشروع نموذجًا للتكامل بين الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان، والجهات الحكومية، والمؤسسات الثقافية والسياحية والرياضية، في رؤية مشتركة تجعل من التراث الإسلامي ركيزة لبناء الهوية وتعزيز القوة الناعمة. فبدل أن يبقى التاريخ محفوظًا في الكتب أو المواقع الأثرية، يتحول إلى نشاط مجتمعي حي يشارك فيه الأطفال والشباب والأسر، ويقدم للعالم صورة معاصرة عن مجتمع يحافظ على جذوره، ويستثمر تراثه في بناء مستقبله.

المصدر: الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان – روسيا.

التخطي إلى شريط الأدوات