الدكتور عبد الحميد متولي: المركز الإسلامي بفيلا كاهون يواصل رسالته في إعداد جيل قرآني معتز بهويته الإسلامية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على الضفة الغربية للمحيط الأطلسي، وفي البرازيل، أكبر دول أمريكا الجنوبية مساحةً وسكانًا، التي تستحوذ وحدها على نحو نصف مساحة القارة ونصف سكانها، ترتفع منارات المساجد والمراكز الإسلامية لتؤدي رسالة تتجاوز إقامة الشعائر، فتحتضن النشء، وتغرس فيهم الإيمان، وتصنع جيلاً جديدًا يرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ويعتز بهويته الإسلامية في مجتمع متعدد الثقافات والأعراق.
وفي هذا المشهد، يتحول المسجد إلى مدرسة للحياة، والأسرة إلى شريك في التربية، والقرآن الكريم إلى محور يجمع الأطفال والآباء والمعلمين والأئمة في بيئة إيمانية واجتماعية متماسكة، تؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن الحفاظ على الهوية الإسلامية يبدأ من الطفل، ويترسخ بالعلم، ويزدهر بوحدة المجتمع حول رسالته.
احتفالية قرآنية تتوج رحلة التعليم والتربية
في مشهد يجسد رسالة المسجد في بناء الإنسان قبل البنيان، احتفى المركز الإسلامي بفيلا كاهون بمدينة ساو باولو البرازيلية باختتام «الدورة القرآنية الحديثية لإجازة نصف العام 2026»، وسط حضور لافت من أصحاب الفضيلة المشايخ، وأولياء الأمور، والطلاب والطالبات، والمعلمين والمعلمات، في احتفالية تربوية وإيمانية عكست مكانة القرآن الكريم في حياة الجالية المسلمة، وأكدت أن تعليم النشء يمثل أحد أهم استثمارات المجتمع المسلم في البرازيل.
وجاءت الاحتفالية، التي أُقيمت تحت الإشراف العام لفضيلة الدكتور عبد الحميد متولي، رئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية، تتويجًا لعامٍ من التعليم والتربية، ورسالة عملية تؤكد أن المركز الإسلامي بفيلا كاهون لا يقتصر دوره على تنظيم الدورات القرآنية، بل يواصل أداء رسالته في إعداد جيل قرآني معتز بهويته الإسلامية، يجمع بين العلم والعمل، ويرتبط بالمسجد والأسرة والمجتمع.
أجواء إيمانية جسدت ثمار عام من التعلم
لم تكن احتفالية اختتام الدورة القرآنية الحديثية مجرد حفل لتوزيع الجوائز، بل تحولت إلى مشهد إيماني مفعم بالفرح والاعتزاز، عكس ثمار عام كامل من تعليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وسط حضور أصحاب الفضيلة المشايخ، وأولياء الأمور، والمعلمين والمعلمات، والطلاب والطالبات.
وبدأت الاحتفالية برفع أذان الصلاة، في رسالة تربوية تؤكد أن كل إنجاز يبدأ من تعظيم شعائر الله، وأن الارتباط بالمسجد هو الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الطفل المسلم. وبعد الأذان والانتهاء من أداء الصلاة، صدحت أصوات الطلاب والطالبات بتلاوات عطرة من آيات القرآن الكريم، تلتها أحاديث نبوية شريفة حفظها الأطفال وأتقنوها خلال الدورة، في مشهد مؤثر عكس حجم ما اكتسبوه من علم وإتقان طوال العام، وأظهر ثمار الجهود التي بُذلت في تعليمهم القرآن الكريم والسنة النبوية.
وامتزجت أصوات التلاوة بمشاعر الفخر والفرح التي ارتسمت على وجوه أولياء الأمور والمعلمين والمشايخ، بينما تابع الحضور بإعجاب المستوى الذي بلغه الأبناء في الحفظ، وجودة التلاوة، وحسن الأداء، والثقة بالنفس، في صورة جسدت نجاح البرنامج في الجمع بين التعليم والتربية، وربط النشء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وزادت أجواء الاحتفال بهجةً مع تكريم الأطفال المتميزين وسط تصفيق الحاضرين وفرحة أولياء الأمور، بينما حرص أصحاب الفضيلة المشايخ والأئمة على مشاركة الأبناء هذه اللحظات، في رسالة تؤكد أن المجتمع المسلم بأكمله يحتفي بحفظة القرآن الكريم، ويعتبر نجاحهم نجاحًا للجميع.
ولم يكن الحفل مجرد ختام لدورة تعليمية، بل تتويجًا لمسيرة تربوية متكاملة، جسدت رسالة المركز الإسلامي بفيلا كاهون في إعداد جيل قرآني معتز بهويته الإسلامية، يحمل القرآن الكريم علمًا وعملًا وأخلاقًا، ويواصل مسيرته في رحاب المسجد، سندًا لأسرته ولبنةً صالحة في مجتمعه.
كلمة المشرف العام.. رسالة وفاء وشكر للأجيال وصُنّاعها
وفي كلمته خلال الاحتفالية، أكد فضيلة الدكتور عبد الحميد متولي، رئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية، والمشرف العام على الدورة القرآنية الحديثية، أن رسالة المركز لا تقتصر على تعليم الأطفال تلاوة القرآن الكريم وحفظه، وإنما تمتد إلى بناء شخصية إسلامية متوازنة، ترتبط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعتز بهويتها الإسلامية، وتؤدي دورها الإيجابي في المجتمع.
وأوضح أن الدورة القرآنية الحديثية تمثل محطة تربوية مهمة ضمن برنامج متواصل يقدمه المركز على مدار العام، يهدف إلى استثمار الإجازات الدراسية في غرس محبة القرآن الكريم والسنة النبوية في نفوس الأبناء، وتعزيز ارتباطهم بالمسجد، وإشراك الأسرة في العملية التربوية، بما يسهم في إعداد جيل قرآني يحمل العلم والإيمان والأخلاق.
ووجّه فضيلته الشكر إلى الطلاب والطالبات على مواظبتهم واجتهادهم وحرصهم على حفظ القرآن الكريم وتعلم السنة النبوية، مثمنًا ما أظهروه من التزام وانضباط طوال فترة الدورة، كما أعرب عن تقديره لأولياء الأمور على اهتمامهم بتربية أبنائهم، وحرصهم على اصطحابهم إلى المسجد، ودعمهم المستمر لمسيرتهم التعليمية والإيمانية.
كما خصّ بالشكر المعلمين والمعلمات، مشيدًا بما بذلوه من جهود مخلصة في تعليم الأطفال، ومتابعتهم، وغرس القيم الإسلامية في نفوسهم، مؤكدًا أن ما ظهر من مستوى متميز في التلاوة والحفظ وحسن الأداء هو ثمرة إخلاصهم وصبرهم.
ولم يفت الدكتور عبد الحميد متولي أن يعبّر عن امتنانه لأصحاب الفضيلة المشايخ والعلماء والأئمة الذين لبّوا الدعوة وشاركوا في الاحتفالية، مؤكدًا أن حضورهم يحمل رسالة معنوية كبيرة للأطفال، ويشعرهم بقيمة ما تعلموه وما أنجزوه، ويعزز ثقتهم بأن المجتمع المسلم كله يفرح بنجاحهم، ويقف إلى جانبهم، ويعلق عليهم آمالًا كبيرة ليكونوا جيل المستقبل، وحملة القرآن الكريم، ورسالة الإسلام في البرازيل.
كلمات الضيوف.. رسائل تؤكد قيمة تعليم القرآن الكريم
شهدت الاحتفالية كلمات لعدد من أصحاب الفضيلة المشايخ والضيوف، الذين أجمعوا على أهمية تعليم القرآن الكريم للأجيال الناشئة، وأشادوا بالدور الذي يقوم به المركز الإسلامي بفيلا كاهون في رعاية أبناء الجالية المسلمة وتعزيز هويتهم الإسلامية.
وأكد فضيلة الشيخ محمد البقاعي، إمام مسجد البرازيل، أن أعظم هدية يقدمها الآباء لأبنائهم هي تعليمهم القرآن الكريم، مشددًا على أن تكامل دور الأسرة والمدرسة والمسجد هو السبيل الأمثل لبناء الأجيال.
من جانبه، أكد فضيلة الدكتور عمرو الجندي، ممثل بعثة وزارة الأوقاف المصرية، وإمام مسجد خالد بن الوليد في ساو ميغيل باوليستا، أن أفضل استثمار يقدمه الآباء لأبنائهم هو تعليمهم القرآن الكريم، لما له من أثر في صلاح الدين والدنيا، مشددًا على أهمية دعم المبادرات القرآنية ورعاية النشء، ومشيدًا بجهود المركز الإسلامي في ترسيخ الهوية الإسلامية وتعليم القرآن الكريم لأبناء الجالية المسلمة في البرازيل.
وبدوره، أكد فضيلة الشيخ مختار علي، مبعوث الأزهر الشريف إلى الجمعية الخيرية الإسلامية (مسجد البرازيل)، أن حسن تمثيل الإسلام في المجتمع البرازيلي يبدأ بتعلم الدين وتطبيقه عمليًا في التعامل مع الآخرين.
وأوضح فضيلة الشيخ أحمد عبدالعزيز، إمام وخطيب مسجد صلاح الدين الأيوبي، أن حفظ القرآن الكريم هو بداية لبناء الأخلاق والعمل بكتاب الله، وليس غاية تقف عند الحفظ وحده.
فيما دعا فضيلة الشيخ محمد أبو العسل، خطيب مسجد المدرسة الإسلامية وصاحب القراءات، الطلاب إلى شكر نعمة القرآن الكريم، مؤكدًا أنه أعظم نعمة تصاحب الإنسان في حياته وآخرته.
كما أكد فضيلة الدكتور أيمن محمد، المسؤول عن الذبح الحلال من جمهورية مصر العربية، أن القرآن الكريم هو أساس النهضة والعلم، وأن المسلمين في البرازيل يمثلون خير سفراء للإسلام من خلال أخلاقهم وسلوكهم.
واختتم أبو فراس، ممثل أولياء الأمور، كلمات الضيوف بالتأكيد على أن تعليم القرآن الكريم هو أعظم ميراث يورثه الآباء لأبنائهم، مستحضرًا تجربته الممتدة من مرافقة ابنه إلى حلقات القرآن الكريم قبل خمسة عشر عامًا، ثم مشاركته اليوم فرحة حفيده بإتمام الدورة القرآنية، في مشهد جسّد استمرار رسالة تعليم القرآن عبر الأجيال.
رسالة تتجاوز الاحتفال
لم تكن احتفالية اختتام الدورة القرآنية الحديثية مجرد مناسبة لتكريم المشاركين، بل جسدت نموذجًا عمليًا للدور الذي تؤديه المراكز الإسلامية في بناء الإنسان، من خلال الجمع بين التعليم والتربية، وربط الأبناء بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وإشراك الأسرة في العملية التربوية، وتعزيز العلاقة بين المسجد والمجتمع.
كما عكست المشاركة الواسعة لأصحاب الفضيلة المشايخ والأئمة وأولياء الأمور روح التكافل والتعاون بين المؤسسات الإسلامية في البرازيل، وأكدت أن بناء الأجيال مسؤولية مشتركة، وأن نجاح أي مركز إسلامي هو نجاح للمجتمع المسلم بأسره.
ويؤكد هذا النموذج التربوي أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الجاليات المسلمة يبدأ من الطفل، وأن المسجد سيظل المنارة التي تُصنع فيها الأجيال، ويُغرس فيها حب القرآن الكريم والسنة النبوية، وتتكون فيها الشخصية الإسلامية المعتزة بدينها وهويتها، القادرة على التفاعل الإيجابي مع مجتمعها، والمساهمة في بنائه بالعلم والعمل والأخلاق.









