مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في أراكان، غربي ميانمار، المعروفة تاريخيًا ببورما، لا تبدو محنة مسلمي الروهينغا مجرد أزمة لجوء خارج الوطن، بل أزمة بقاء داخل أرضهم؛ إذ يواجه من بقوا في ديارهم واقعًا تتغير فيه أدوات القهر بينما يبقى الإنسان الروهينغي في قلب المأساة.
فمن فقدان الأرض والتهجير، إلى القيود على الحركة، ثم التجنيد القسري والعنف والقتل، يجد المدني نفسه أمام واقع لا يمنحه مساحة آمنة بين الحرب والتهجير، ولا يضمن له البقاء في بيته أو القدرة على العودة إليه بعد الرحيل واللجوء.
وتزداد خطورة المشهد حين يعيش مسلمو الروهينغا تحت وطأة صراع مسلح بين الجيش الرسمي لميانمار وجيش أراكان، مع اتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم بحقهم من جانب الطرفين. وبينما يتقاتل الطرفان على الأرض والنفوذ، يجد مسلمو الروهينغا أنفسهم بين القتل والاعتقال والتجنيد القسري والعنف والنزوح، دون قدرة حقيقية على حماية أنفسهم من تداعيات هذا الصراع.
تصعيد جديد في أراكان..
تحقيقات أممية في جرائم ضد مسلمي الروهينغا
وفي هذا السياق، أثارت ثلاثة تطورات متزامنة مخاوف جديدة بشأن سلامة مسلمي الروهينغا والمدنيين في ولاية أراكان، بعد تحقيقات أممية في انتهاكات خطيرة، وتقارير عن تجنيد قسري لمسلمي الروهينغا من جانب السلطات العسكرية في بورما، وغارة جوية نفذها الجيش البورمي وأوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين.
فقد أعلنت الآلية المستقلة للتحقيق في ميانمار التابعة للأمم المتحدة أنها تحقق في مزاعم عن مداهمات ليلية واعتقالات جماعية وعمليات قتل في سيتوي، إلى جانب عرقلة وصول المساعدات الطبية ومواد النظافة ووقوع وفيات مرتبطة بالجوع.
كما جمعت الآلية أدلة بشأن مزاعم ارتكاب عناصر من جيش أراكان انتهاكات ضد مسلمي الروهينغا، بينها الاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء، والإعدام الميداني، وتجنيد واستخدام أطفال دون الخامسة عشرة، وتدمير مساجد.
وأفادت التحقيقات بأن مناطق كاملة لمسلمي الروهينغا في بوتيدونغ ومونغداو أُفرغت من سكانها، وأن مواقع بعض المساجد استُخدمت لأغراض أخرى، بينها إقامة تجمعات لغير مسلمي الروهينغا.
وأكدت الآلية أن ما جمعته يمثل أدلة تحقيق يمكن استخدامها في ملاحقات مستقبلية، وليس أحكامًا قضائية نهائية، مشيرة إلى جمع أدلة من أكثر من 1600 مصدر.
التجنيد القسري.. مسلمو الروهينغا وقود للحرب
وفي تطور آخر، أفادت تقارير بأن السلطات العسكرية في بورما أصدرت أمرًا مكتوبًا يلزم حي أونغ مينغالار وخمسة أحياء أخرى حول سيتوي بتقديم 20 مجندًا شهريًا، مع امتداد ضغوط التجنيد إلى قرى ومخيمات للنازحين.
وتشير المعلومات إلى إجراءات جديدة لتسجيل الأسر والتقاط صور لها، بالتزامن مع تشديد القيود على حركة السكان. ويضع ذلك مسلمي الروهينغا أمام ضغوط للمشاركة في حرب لا يملكون قرارها، رغم حاجتهم إلى الحماية والأمان.
وأوضح المصدر أن الإشعار المزعوم لم يخضع للتحقق المستقل العلني، كما أن «روهينغيا خبر» لم يتحقق بصورة مستقلة من الوثيقة أو حجم التجنيد، ولذلك تبقى المعلومات في إطار التقارير والمزاعم قيد التحقق.
الغارات الجوية.. المدنيون في مرمى الحرب
وفي 10 أغسطس، أفادت تقارير بأن غارة جوية نفذها الجيش البورمي استهدفت قرية كياوك غيي في بلدة ثاندوي، وأسفرت، وفق أرقام نقلها المصدر عن جيش أراكان، عن مقتل 14 مدنيًا وإصابة 11 آخرين، مع تضرر 21 منزلًا.
ولم تُتحقق أعداد الضحايا بصورة مستقلة، كما لم يكن هناك ما يشير إلى أنهم من مسلمي الروهينغا تحديدًا.
وبحسب التحقيقات الأممية، وثقت الآلية أيضًا نمطًا من الهجمات الجوية التي طالت منازل ومدارس ومرافق طبية ومبانٍ دينية ومخيمات للنازحين في مناطق مختلفة من بورما.
مسلمو الروهينغا بين طرفي الحرب
تكشف هذه الوقائع أن انتقال السيطرة من طرف مسلح إلى آخر لا يعني تلقائيًا انتهاء الانتهاكات أو تحقق الحماية. فالجيش الرسمي لميانمار وجيش أراكان يخوضان صراعًا مسلحًا، بينما يعيش مسلمو الروهينغا داخل مناطق هذا الصراع ويتحملون تبعاته من قتل واعتقال وتجنيد قسري وعنف ونزوح.
وتبقى كل واقعة بحاجة إلى توثيق وتحديد للمسؤولية، لكن التحقيقات الأممية تبحث بالفعل في انتهاكات منسوبة إلى أكثر من جهة، ما يجعل حماية مسلمي الروهينغا ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته أمرًا أساسيًا.
العودة الآمنة.. أبعد من مجرد الرجوع
تجعل هذه الانتهاكات المستمرة بقاء مسلمي الروهينغا في ديارهم بأمان أكثر صعوبة، كما تزيد تعقيد عودة من اضطروا إلى الرحيل. فالعودة الآمنة تحتاج إلى حماية حقيقية للمدنيين، ووقف التجنيد القسري، وضمان وصول المساعدات، وحماية النساء والأطفال، ومواصلة توثيق الجرائم ومساءلة المسؤولين عنها.
إن مستقبل مسلمي الروهينغا لا يمكن أن يُبنى على العودة إلى بيئة يستمر فيها القصف والخوف والتجنيد والانتهاكات؛ فالمدنيون ليسوا طرفًا في الحرب، والأطفال ليسوا وقودًا لها.
ـ المصدر: (Rohingya Khobor)