مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

تايوان.. «الإسلام.. الركيزة الخفية للأمن القومي لجمهورية الصين» ـ ندوة

جمعية العلاقات الخارجية ومسجد تايبيه الكبير يبحثان حاضر ومستقبل العلاقات مع العالم الإسلامي

ندوة في تايبيه تبحث الأبعاد التاريخية والاقتصادية والعلمية للحضور المسلم في تايوان وتعزيز التواصل مع العالم الإسلامي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب العاصمة التايوانية تايبيه، تتجاوز قصة الإسلام حدود العبادة لتكشف عن حضور متنوع وفاعل في الاقتصاد والمجتمع والبحث العلمي والعلاقات الدولية. فالمجتمعات المسلمة في تايوان، بما تضمه من عمال إندونيسيين وباكستانيين وسودانيين ومصريين، إلى جانب الباحثين والعلماء والطلاب، أصبحت جزءًا من منظومة الحياة اليومية، فيما تواصل المساجد والمؤسسات الإسلامية أداء دور يتجاوز الشأن الديني إلى بناء جسور التواصل مع العالم الإسلامي.

«الإسلام.. الركيزة الخفية للأمن القومي لجمهورية الصين»

وفي هذا السياق، استضاف مسجد تايبيه الكبير في 11 أغسطس 2026 ندوة بعنوان «الإسلام.. الركيزة الخفية للأمن القومي لجمهورية الصين»، نظمتها جمعية العلاقات الخارجية بالتعاون مع مسجد تايبيه الكبير، وناقشت الأبعاد التاريخية والاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية للحضور المسلم في تايوان، ودور هذا الحضور في تعزيز علاقات تايوان بالعالم الإسلامي.

الإسلام في التاريخ الصيني وحضور يتجاوز الحدود

استهل السفير تشنغ تايشيانغ، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مسجد تايبيه الكبير والممثل السابق لجمهورية الصين لدى تركيا، حديثه بالإشارة إلى حضور الإسلام في التاريخ الصيني، موضحًا أن الإسلام عُرف تاريخيًا في الصين باسم «هُوي جياو»، وأن مدنًا تجارية مهمة مثل تشوانتشو شهدت وجود المساجد منذ عهد أسرة سونغ الشمالية، إلى جانب وجود المساجد في بكين وقوانغتشو، بما يعكس حضور الثقافة الإسلامية في التاريخ الصيني.

تعدّ المجتمعات المسلمة في تايوان قوة اقتصادية وعلمية واجتماعية

تسهم في تعزيز مكانة الجزيرة الدولية وعلاقاتها بالعالم الإسلامي

خمس قوى استراتيجية.. دراسات يابانية

كما تناول أهمية المسلمين من منظور استراتيجي، موضحًا أن اليابان، رغم عدم وجود مجتمع مسلم أصلي لديها قبل الحرب العالمية الثانية، أجرت دراسات معمقة حول المجتمعات المسلمة الدولية والمسلمين في الصين، بعدما أدركت ما تمتلكه المجتمعات المسلمة من خمس قوى استراتيجية، هي القوة الاقتصادية، والقوة الشعبية والمجتمعية، والامتداد الدولي العابر للحدود، والموقع الجغرافي المحوري، والقدرة على التأثير في العلاقات بين المجموعات العرقية.

المجتمع المسلم.. قوة في الاقتصاد والعمل والبحث العلمي

وتطرقت الندوة إلى حجم الإسهام الذي يقدمه المسلمون في قطاعات حيوية داخل تايوان، وفي مقدمتها قطاع الرعاية طويلة الأمد، حيث أشار السفير تشنغ تايشيانغ إلى أن احتياجات هذا القطاع تصل إلى نحو 250 ألف عامل، بينهم نحو 200 ألف عامل رعاية من إندونيسيا.

كما تحدث عن الدور المحوري للعمال الإندونيسيين في قطاع الصيد البحري، موضحًا أنهم يسهمون في دعم صناعة الصيد البحري في تايوان، التي تبلغ قيمة إنتاجها نحو 300 مليار دولار تايواني، مشيرًا إلى وجود مساجد في أربعة موانئ لتوفير أماكن العبادة للعمال المسلمين.

ويمتد حضور العمال الإندونيسيين كذلك إلى قطاعات الزراعة والغابات والثروة الحيوانية، فيما أسهم عمال إندونيسيون في صناعة الشاي بقيمة تصل إلى 28 مليار دولار تايواني، بما يدعم صناعة المشروبات التي تُقدَّر قيمتها بنحو 100 مليار دولار تايواني.

وفي مجال الاقتصاد الدائري، أشار إلى أن تايوان تتخلص سنويًا من نحو 200 ألف سيارة و600 ألف دراجة نارية، ويتم إرسال هذه المركبات المستعملة إلى باكستان والسودان ومصر، بما يسهم في نشوء نشاط اقتصادي قائم على إعادة استخدام المخلفات.

ولم يقتصر الحضور المسلم على قطاعات العمل والإنتاج، إذ أشار السفير إلى إسهام المسلمين الدوليين في البحث العلمي في تايوان، مع وجود عدد من الباحثين المسلمين في أكاديمية سينكا، التي أنشأت عام 2024 مسجدًا داخل مقرها لخدمة المسلمين العاملين فيها.

وتعكس المنافسة الإقليمية على العمالة الإندونيسية حجم أهمية هذه القوى العاملة بالنسبة إلى تايوان، في ظل منافسة اليابان وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة على استقطابها. كما توجد في تايوان نحو 700 مطعم ومتجر إندونيسي، إضافة إلى وجود نحو 200 ألف شخص قادرين على تلاوة القرآن الكريم الذي يتجاوز 600 صفحة باللغة العربية، وفق ما طرحته الندوة.

نحو بيئة أكثر ملاءمة للمسلمين في تايوان

وأكد الدكتور تشانغ جينغ آن، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تشنغتشي الوطنية، أن رعاية المجتمع المسلم في تايوان يمكن تطويرها بصورة أفضل، داعيًا الجامعات ومؤسسات التعليم العالي إلى توفير مرافق ملائمة للمسلمين، ومنها دورات مياه مناسبة، ومطاعم حلال، وغرف للصلاة، بما يعزز التواصل بين المؤسسات التعليمية والعلماء المسلمين.

وأشار إلى الحاجة إلى تعزيز البحث العلمي المتعلق بالمسلمين في تايوان، موضحًا أن المجتمع التايواني لا يتعامل مع المسلمين بدرجات التمييز الموجودة في بعض الدول، إلا أن بعض النظرات المختلفة لا تزال موجودة، الأمر الذي يجعل تعزيز التفاهم والتعايش بين المسلمين وغير المسلمين مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجتمع المدني.

مسجد تايبيه الكبير.. أحد الرموز المهمة لعلاقات تايوان مع الدول الإسلامية

وتناولت الندوة تاريخ تأسيس مسجد تايبيه الكبير، الذي ارتبط في بداياته بحاجة تايوان إلى وجود مسجد كبير لاستقبال ملك المملكة العربية السعودية، بعدما دعا وزير الخارجية آنذاك ييه كونغ تشاو ملك المملكة العربية السعودية إلى زيارة تايوان، في وقت لم يكن فيه مسجد كبير قادرًا على استضافة مثل هذه الزيارة.

وبضمان وزارة الخارجية، حصل المشروع على قرض بقيمة 4 ملايين دولار تايواني من بنك تايوان لبناء مسجد تايبيه الكبير، الذي تحول لاحقًا إلى أحد الرموز المهمة للعلاقات بين تايوان والدول الإسلامية.

وشهد المسجد محطات بارزة في تاريخ هذه العلاقات، من بينها زيارة ولي عهد العراق الأمير عبد الإله إلى تايوان عام 1957، ورئيس الوزراء التركي عدنان مندريس عام 1958، وولي عهد الأردن الحسين عام 1959، الذي أصبح لاحقًا ملكًا للأردن، إلى جانب زيارة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية عام 1971.

وتؤكد هذه المحطات أن مسجد تايبيه الكبير لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل أصبح عبر تاريخه مساحة للتواصل الديني والثقافي والدبلوماسي، وجسرًا بين تايوان والعالم الإسلامي، فيما تعكس الندوة الأخيرة تنامي الاهتمام بفهم الدور الذي تؤديه المجتمعات المسلمة في تايوان باعتبارها مكونًا فاعلًا في المجتمع وعاملًا مهمًا في العلاقات الدولية.

المصادر: جمعية العلاقات الخارجية في تايوان ، و مسجد تايبيه الكبير .

التخطي إلى شريط الأدوات