من وقف تاريخي عمره أربعة قرون إلى مسجد جديد..
منارة إسلامية تستعيد حضورها بعد عقود من الانقطاع

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في حي توب خانة بمدينة اشكودرا، شمال غرب ألبانيا، لا يحكي افتتاح مسجد جديد قصة بناء معاصر فحسب، بل يستعيد ذاكرة وقف إسلامي يعود إلى أكثر من أربعة قرون. فالمسجد الذي ارتبط بتاريخ الحي منذ عام 1027هـ، مرّ بمراحل طويلة من الحضور والانقطاع، قبل أن يعود اليوم إلى الحياة في مسجد جديد يحمل روح المكان وتاريخه.
ويأتي افتتاح المسجد في سياق أوسع لاستعادة المساجد ودورها في المجتمع المسلم الألباني بعد عقود الحكم الشيوعي التي أغلقت خلالها المساجد وحُظرت الممارسة الدينية، ليصبح مسجد توب خانة نموذجًا حيًا على استمرار الهوية الإسلامية وقدرتها على استعادة حضورها.

افتتاح المسجد الجديد
فقد افتتحت دار الإفتاء في اشكودرا و«قطر الخيرية»، يوم الجمعة 14 أغسطس 2026، الموافق 1 ربيع الأول 1448هـ، المسجد الجديد في حي توب خانة، بحضور فضيلة الشيخ بويار اسباهيو، رئيس المشيخة الإسلامية في ألبانيا ومفتي البلاد، وفضيلة الشيخ محمد سوتاري، مفتي محافظة اشكودرا، والسيد كرم علي، مدير «قطر الخيرية»، إلى جانب عدد من الأئمة والعلماء ومسؤولي المؤسسات الإسلامية والمدنية وحشد من المصلين وسكان الحي.
وبدأت مراسم الافتتاح بقص شريط المسجد الجديد، أعقب ذلك الكشف عن اللوحة التذكارية، ثم تلاوة خواتيم سورة الحشر، وكلمة تناولت مكانة المسجد في الإسلام.

421 عامًا من تاريخ الوقف
أكد فضيلة الشيخ محمد سوتاري، مفتي محافظة اشكودرا، في مقال له؛ أن أول مسجد أُقيم على هذا الوقف يعود إلى 421 عامًا، عندما أنشأ المحسن الشكودري مصطفى أفندي، أحد سكان حي توب خانة، مسجدًا في قلب الحي خلال شهر رمضان من عام 1027هـ، وتولى فيه مهمة الخطابة.
وعلى امتداد القرون، أصبح مسجد توب خانة معلمًا مرتبطًا بحي «باش بايراق»، أي «الراية الأولى في اشكودرا»، كما تعاقب على خدمته عدد من علماء الدين والأئمة، من بينهم حافظ خليل طوفانة، وحافظ خليل عمر شامي، وحسن أفندي عبد الله سباهيا، وحافظ حليم حيدري، وحافظ فضلي أوليشطا، وحافظ خليل سالو طوفانة الذي تولى منصب مفتي اشكودرا بين عامي 1950 و1958. وشكل المسجد على مدى تاريخه مساحة لتعزيز الوعي الإسلامي والأخلاق والهوية الإسلامية في المجتمع المحلي.

عودة الأذان بعد ثلاثة عقود
دخل مسجد توب خانة مرحلة قاسية خلال الحكم الشيوعي، ولا سيما بين عامي 1967 و1990، قبل أن تعود الحياة الدينية إلى الحي بعد سقوط النظام.
وبالتعاون بين المشيخة الإسلامية في ألبانيا ودار الإفتاء في اشكودرا ومؤسسة «الإغاثة الإسلامية» في برمنغهام بالمملكة المتحدة، عاد المسجد إلى موقعه، ثم عاد الأذان إلى حي توب خانة في 10 يوليو 1997، بعد نحو 30 عامًا من الغياب.
ومنذ ذلك التاريخ، استمر حضور المسجد في ذاكرة سكان الحي، إلى أن جاءت مرحلة بناء المسجد الجديد بدعم «قطر الخيرية».

مسجد جديد بروح الوقف القديم
جاء مشروع المسجد الجديد ثمرة تعاون بين دار الإفتاء في اشكودرا و«قطر الخيرية»، بمساهمة عدد من المحسنين في دولة قطر الذين قدموا من أموالهم للمشروع.
وأكد السيد كرم علي، مدير «قطر الخيرية»، تقديره للتعاون مع المشيخة الإسلامية في ألبانيا ودار الإفتاء في اشكودرا لإنجاز المشروع، مشيرًا إلى أن تمويل المسجد جاء من محسنين قطريين.
وشهد المسجد إقامة أول صلاة جمعة بعد افتتاحه، فيما ألقى الخطبة فضيلة الشيخ بويار اسباهيو، رئيس المشيخة الإسلامية في ألبانيا ومفتي البلاد.

عودة مسجد.. واستعادة ذاكرة
لم يكن يوم افتتاح مسجد توب خانة مناسبة لافتتاح مبنى جديد فحسب، بل كان يومًا لاستعادة ذاكرة عمرها 421 عامًا؛ إذ امتلأ المسجد بالمصلين، وتعالت التكبيرات والصلوات والدعوات، في مشهد أعاد إلى الحي مسجدًا غاب حضوره في مراحل سابقة، لكنه ظل حاضرًا في ذاكرة أهله.
وهكذا يجمع مسجد توب خانة بين وقف تاريخي يعود إلى أربعة قرون، وذاكرة إسلامية امتدت عبر أجيال، وتجربة صمود خلال سنوات الحظر الشيوعي، ثم عودة الأذان، وصولًا إلى مسجد جديد يواصل الرسالة نفسها بروح تاريخية متجددة.
ـ المصادر: دار الإفتاء في اشكودرا.
ـ فضيلة الشيخ محمد سوتاري، مفتي محافظة اشكودرا.




