مشروع بحثي متخصص يستند إلى أرشيف الموقع وموسوعة المجتمعات المسلمة وشبكة دولية من الباحثين والخبراء وشراكات علمية لإنتاج معرفة أعمق حول المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية حول العالم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في سياق سلسلة التقارير التي تناولت أحلام «مسلمون حول العالم» المستقبلية، والتي تمثل في مجموعها خريطة طريق للمشروعات التي يطمح المشروع إلى تطويرها خلال مراحله المقبلة، تطرقنا في الحلقات السابقة إلى عدد من المحطات الأساسية؛ بدءًا من الموقع الإلكتروني ـ «مسلمون حول العالم» ـ، ثم مشروع ـ «المنصة العالمية الإعلامية والمعرفية والتواصلية» ـ، وصولًا إلى مشروع ـ «موسوعة المجتمعات المسلمة حول العالم» ـ بوصفه مشروعًا لبناء مرجع معرفي عالمي.
واليوم نصل إلى محطة جديدة في هذه الخريطة، هي مشروع ـ «مركز مسلمون حول العالم للدراسات والأبحاث» ـ، وهو المشروع الذي يمثل الانتقال الطبيعي من توثيق المعرفة وبنائها إلى دراستها وتحليلها وإنتاج أبحاث متخصصة حول المجتمعات المسلمة، اعتمادًا على الأرشيف المتراكم، والمعرفة التي توفرها الموسوعة، وشبكة الباحثين والخبراء في مختلف المجتمعات.
فكرة المركز وموقعه في المشروع
لا يأتي المركز بوصفه مشروعًا منفصلًا أو تكرارًا لما سبقه، وإنما يمثل المرحلة التي يكتمل فيها المسار من الإعلام إلى المعرفة ثم إلى البحث. فالموقع يوثق ما يحدث، والمنصة تتيح التواصل وتبادل المعرفة، والموسوعة تجمع المعرفة وتنظمها، بينما يطرح المركز الأسئلة الأعمق حول هذه المعرفة: لماذا حدثت التحولات؟ وكيف تطورت التجارب؟ وما العوامل التي أسهمت في نجاح بعض التجارب أو تعثرها؟ وما الذي يمكن استخلاصه من تجربة مجتمع لصالح مجتمع آخر؟
ومن هنا تتمثل وظيفة المركز في الانتقال من جمع المعلومات إلى تفسيرها وتحليلها، ومن عرض التجارب إلى دراستها، ومن المعرفة المتاحة إلى اكتشاف ما لا يزال مجهولًا. ولذلك لا يبدأ المركز بسؤال «ماذا لدينا لننشر؟»، وإنما بسؤال «ما الذي لا نعرفه بعد؟».
الرؤية والرسالة
تتمثل رؤية المركز في بناء مؤسسة بحثية متخصصة في دراسة المجتمعات المسلمة حول العالم، تنتج معرفة علمية رصينة حول واقعها وتاريخها وتحولاتها ومؤسساتها وتجاربها وتحدياتها وإنجازاتها، وتقدم هذه المعرفة للباحثين والمؤسسات والمهتمين.
وتقوم رسالته على تحويل المعرفة المتراكمة من التوثيق الإعلامي والموسوعي إلى دراسات وأبحاث متخصصة، تستند إلى منهج علمي ومصادر موثقة، وتستفيد من الباحثين والخبراء وأبناء المجتمعات المسلمة، بما يوسع فهم واقع هذه المجتمعات ويعزز المعرفة بتجاربها وتحولاتها.
مجالات البحث
يمكن للمركز أن يدرس مختلف القضايا التي تشكل واقع المجتمعات المسلمة، وفي مقدمتها تطور المؤسسات الإسلامية، والتعليم الإسلامي، والمساجد والمراكز، والهوية والمواطنة والتعايش، والتحولات الديموغرافية، ودور الشباب والمرأة، والتراث، والهجرة، والتحديات الاجتماعية والثقافية، إلى جانب دراسة التجارب والإنجازات والنماذج التي تستحق المقارنة.
ولا تقتصر قيمة هذه الموضوعات على وصف الواقع، وإنما تتجاوز ذلك إلى البحث في أسباب اختلاف التجارب بين مجتمع وآخر، والعوامل التي تساعد بعض المؤسسات على الاستمرار والتطور، وكيف تحافظ المجتمعات على حضورها وهويتها، وما أثر التحولات الجديدة في المجتمعات المسلمة التاريخية، وما النماذج التي يمكن دراستها والاستفادة منها في سياقات مختلفة.
الباحثون والخبراء
يسعى المركز إلى بناء شبكة دولية من الباحثين والخبراء، تضم باحثين من داخل المجتمعات المسلمة وباحثين متخصصين من خارجها، بما يسمح بتشكيل فرق بحثية متعددة التخصصات والجغرافيا، تجمع بين المعرفة المحلية والمنهج العلمي والخبرة البحثية.
وتكتسب مشاركة أبناء المجتمعات المسلمة أهمية خاصة، لأن البحث لا ينبغي أن يكون عن المجتمع من الخارج فقط، وإنما معه ومن داخله، بما يتيح فهم السياقات المحلية والاستفادة من الخبرات والمعارف المتراكمة لدى الباحثين والكتاب والخبراء في مختلف المجتمعات.
الشراكات العلمية والمؤسسية
تمثل الشراكات جزءًا أساسيًا من مستقبل المركز، خصوصًا مع الجامعات، ومراكز الدراسات والأبحاث، والمؤسسات العلمية المتخصصة، والمؤسسات الإسلامية الرسمية، والمؤسسات الإسلامية داخل المجتمعات المسلمة، إلى جانب المؤسسات الدولية ذات الصلة.
ولا تستهدف هذه الشراكات مجرد توقيع مذكرات تفاهم، وإنما إنتاج معرفة مشتركة من خلال الدراسات والأبحاث الميدانية، وتبادل الباحثين والخبراء، وبناء قواعد البيانات، وتنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية، وإنتاج الكتب والإصدارات البحثية المشتركة.
الإنتاج البحثي والنشر
يتمثل جوهر عمل المركز في إنتاج الدراسات والأبحاث المتخصصة، إلى جانب الأوراق البحثية والتقارير والدراسات الميدانية والمقارنة والإصدارات العلمية، بحيث يتحول الرصيد المتراكم من المعلومات والوثائق إلى معرفة قابلة للدراسة والتحليل والبناء عليها.
ويمكن أن يطور المركز منصة بحثية رقمية لنشر هذه الأعمال، والتعريف بالباحثين والمشروعات البحثية، وإتاحة المصادر بصورة منظمة، فيما تكون الندوات والمؤتمرات وسيلة لمناقشة نتائج الأبحاث وتطويرها، وليس هدفًا مستقلًا عن العمل البحثي.
قاعدة المعرفة ومستقبل المركز
يحتاج المركز إلى قاعدة معرفة بحثية متخصصة تضم المصادر والوثائق والبيانات والدراسات المتعلقة بالمجتمعات المسلمة، مستفيدًا من الأرشيف المتراكم لـ«مسلمون حول العالم» ومن مشروع «موسوعة المجتمعات المسلمة حول العالم».
ومع تطور المشروع يمكن أن تتوسع هذه القاعدة لتدعم الدراسات المقارنة ورصد التحولات والقضايا الجديدة، وصولًا في مرحلة متقدمة إلى مشروعات بحثية أكثر تخصصًا، من بينها فكرة «مرصد المجتمعات المسلمة حول العالم».
الخلاصة
يمثل مشروع «مركز مسلمون حول العالم للدراسات والأبحاث» مرحلة جديدة في مسار المشروع، لا تقوم على إضافة منصة أخرى للنشر، وإنما على إضافة وظيفة جديدة هي إنتاج المعرفة العلمية.
فبعد سنوات من التوثيق الإعلامي وبناء الأرشيف، ثم تنظيم المعرفة في الموسوعة، يأتي المركز ليطرح الأسئلة الأعمق، ويدرس التجارب، ويقارن بين النماذج، ويكشف الفجوات المعرفية، ويحول المعلومات المتراكمة إلى دراسات يمكن البناء عليها.
وبذلك يكتمل المسار الذي يقوم عليه حلم «مسلمون حول العالم»: مشروع بعد مشروع.. وحلم بعد حلم، تتسع «مسلمون حول العالم» في مسار متدرج من الإعلام والتوثيق إلى المعرفة والدراسات والأبحاث، بهدف بناء مشروع عالمي متخصص في التعريف بالمجتمعات المسلمة وتوثيق تجاربها وإنتاج المعرفة حولها.