يصفه الكتاب بأنه ترك تراثًا علميًا ثريًا بوصفه عالمًا وفقيهًا وأستاذًا ومثقفًا، وحظي باحترام وتقدير في الأوساط الفكرية في العالم الإسلامي، وهو ما تعكسه الشهادات التي جمعها الدكتور نجدة يلماز في هذا الكتاب.

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
يقدم كتاب «العالِم الألباني علي أفندي يعقوبي (1913 ـ 1988).. ذكريات» سيرة عالم ألباني من كوسوفا ترك أثرًا علميًا وفكريًا امتد من مسقط رأسه في جيلان بكوسوفا إلى القاهرة وإسطنبول، وجمع بين التكوين الأزهري الرفيع، والمعرفة الواسعة بالعلوم الإسلامية واللغات، والتدريس والتأثير في أجيال من الطلاب والباحثين.
ويبرز الكتاب شخصية علي أفندي يعقوبي بوصفه عالمًا متعدد اللغات والمعارف، أتقن العربية والعثمانية والفارسية، إلى جانب الألبانية والصربية والفرنسية، وارتبط بعدد من كبار العلماء والمفكرين في القاهرة وإسطنبول، كما عُرف بإتقانه قراءة الوثائق العثمانية القديمة والمصادر العربية الكلاسيكية.
وأعد الكتاب الباحث التركي الدكتور نجدة يلماز، وهو ترجمة ألبانية لعمله التركي الذي يجمع شهادات وتقييمات وذكريات عدد من الشخصيات التي التقت علي أفندي يعقوبي أو عرفته أو عملت معه أو تلقت العلم على يديه.
ويعرض تقديم الكتاب شخصية يعقوبي باعتبارها من الشخصيات العلمية الألبانية التي حظيت بتقدير واسع في تركيا، بينما ظل حضورها محدودًا في موطنها الأصلي في كوسوفا، وهو ما دفع إلى جمع هذه الشهادات وإتاحتها للقارئ باللغة الألبانية.
سيرة عطرة ومسيرة رائدة
ولد علي أفندي يعقوبي عام 1913 في مدينة جيلان، وينحدر من أسرة شكودرا العلمية المعروفة في منطقة غولّاك وأنامورافا، التي قدمت عددًا من العلماء والقيادات الدينية، ومن بينهم المفتي الكبير لأنامورافا الحاج يوسف، الذي تولى الإفتاء في جيلان.
بدأ يعقوبي تعليمه في جيلان عام 1921، ثم درس في المدرسة الدينية «عتيق» بين عامي 1924 و1927، قبل أن يواصل تعليمه في سكوبيه عام 1927 وسراييفو عام 1931.
وفي عام 1936، التحق بجامعة الأزهر في القاهرة لاستكمال دراسته العليا، وكان يأمل بعد التخرج في العودة إلى وطنه. وخلال سنوات دراسته في القاهرة، تعرف إلى عدد من الشخصيات البارزة في الفكر الإسلامي، من بينهم مصطفى صبري، آخر شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، ومحمد زاهد الكوثري، ويوزغاتلي إحسان أفندي، وحسن البنا، إلى جانب شخصيات أخرى.
وبعد إتمام دراسته في الأزهر بنجاح، تعذر عليه العودة إلى كوسوفا بسبب وصول الشيوعيين اليوغوسلاف إلى السلطة، فواصل إقامته في القاهرة، حيث عمل في المكتبة المركزية لجامعة القاهرة بين عامي 1946 و1957 بوصفه موظفًا رفيع المستوى.
ومع التحولات السياسية في مصر بعد وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة، غادر يعقوبي القاهرة متجهًا إلى تركيا، حيث أقام في أنقرة وعمل في سفارة جمهورية مصر بين عامي 1957 و1959، قبل أن ينتقل إلى إسطنبول عام 1960.
مواصلة نشاطه العلمي في تركيا
وفي تركيا، لم يتمكن من ممارسة مهنته في المؤسسات التابعة لرئاسة الشؤون الدينية بسبب عدم اعتراف السلطات التركية آنذاك بشهادات الجامعات الدينية الصادرة من دول أخرى، فاضطر في بداية إقامته إلى العمل محاسبًا في أحد المصانع.
غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة نشاطه العلمي، إذ سرعان ما أقام علاقات مع عدد من العلماء، واستفاد من معرفته الواسعة بالعلوم الإسلامية واللغات في تقديم دروس لمجموعات من الطلاب في المؤسسات والمساجد والدوائر العلمية.
وكان من أبرز ما اهتم به شرح كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي، الذي درسه يعقوبي وأتقنه، ثم قدم شروحات متخصصة حوله لسنوات، ما جعل عددًا كبيرًا من الطلاب يصفونه بـ«أستاذنا»، واستمر بعض تلاميذه في استحضار أثره العلمي بعد وصولهم إلى درجات علمية وأكاديمية رفيعة.
ويضم الكتاب شهادات لشخصيات علمية وأكاديمية عرفت علي أفندي يعقوبي، من بينها البروفيسور الدكتور أكرم إحسان أوغلو، إلى جانب البروفيسور الدكتور عثمان أوزتورك والبروفيسور الدكتور مصطفى أوزون والدكتور نجدة يلماز، الذين قدموا شهادات وتقييمات حول علمه وشخصيته وأثره في طلابه.
ويشير تقديم الكتاب إلى أن يعقوبي ظل يحمل أملًا في أن يرى كوسوفا محررة من الحكم الصربي، وألبانيا متحررة من الإلحاد، غير أنه توفي في إسطنبول عام 1988، بعيدًا عن مسقط رأسه، محاطًا بعدد من طلابه وأصدقائه وزملائه.
ويصفه الكتاب بأنه ترك تراثًا علميًا ثريًا بوصفه عالمًا وفقيهًا وأستاذًا ومثقفًا، وحظي باحترام وتقدير في الأوساط الفكرية في العالم الإسلامي، وهو ما تعكسه الشهادات التي جمعها الدكتور نجدة يلماز في هذا الكتاب.
وتؤكد مقدمة الناشر أن جمع هذه المواد وترجمتها إلى الألبانية يهدف إلى التعريف بحياة علي أفندي يعقوبي وعلمه وإسهاماته، وإعادة تقديم هذه الشخصية إلى القارئ الألباني، بما يتيح لها مكانًا أوضح في الذاكرة العلمية والتاريخية للألبان.
وصدر الكتاب باللغة الألبانية في بريشتينا عام 2024، عن دار النشر «المعرفة الإسلامية»، بالتعاون مع مركز «منبر» في تيرانا، وبتقديم يعود إلى أغسطس 2024 بقلم رمضان شكودرا.
