مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ألبانيا.. جنتي كرويا يطرح من نيويورك الانتقال بالمجتمعات الدينية من القواسم المشتركة إلى العمل من أجل الصالح العام

«أديان من أجل السلام – أوروبا» تربط الحوار بين الأديان بالتنمية المستدامة وبناء الثقة وخدمة المجتمعات

شراكات تجمع المؤسسات الدينية والأمم المتحدة والمجتمع المدني لتحويل القيم المشتركة إلى تعاون عملي يحترم الاختلاف ويواجه الأزمات ويخدم الإنسان

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لا تعني القواسم المشتركة بين أتباع الأديان والمجتمعات المختلفة غياب الخلافات بينهم، كما أن الاختلاف لا يعني استحالة التعاون. فالاختلاف جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، وحرية الإنسان تقتضي أن يكون له الحق في اختيار ما يؤمن به وما يراه، حتى وإن خالفه الآخرون في الدين أو الفكر أو الثقافة.

ومن هنا، لا يبدأ الحوار بمحاولة إلغاء الاختلاف، وإنما بتغيير زاوية النظر إليه؛ فبدلًا من جعل نقاط الخلاف هي التي تحدد العلاقة بين الناس، يمكن البحث عما يجمعهم من قيم ومصالح ومسؤوليات إنسانية مشتركة، والانطلاق منها إلى مساحات أوسع من التعاون.

وتزداد أهمية هذا المعنى أمام تحديات لا تميز بين إنسان وآخر على أساس دينه أو ثقافته؛ فالنزاعات وتغير المناخ وعدم المساواة والتحولات التكنولوجية تمس المجتمعات بأكملها. وإذا كانت حرية الإنسان تتيح له أن يختلف مع غيره، فإن ضرورات الحياة تجعل التعاون بين الجميع حاجة مشتركة من أجل الصالح العام.

من القواسم إلى العمل

ومن قلب نيويورك، وعلى هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، برز هذا المعنى في مشاركات البروفيسور المشارك الدكتور جنتي كرويا، رئيس منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، من خلال سؤال يتجاوز الحوار في ذاته إلى ما يمكن أن يصنعه في حياة الناس: كيف تنتقل المجتمعات الدينية من القواسم المشتركة إلى العمل معًا من أجل الصالح العام؟

وشارك كرويا في نشاطين دوليين متتاليين يومي 22 و23 سبتمبر 2026، تمحورا حول دور المجتمعات الدينية في الانتقال من الحوار والقيم المشتركة إلى التعاون العملي، وربط هذا الدور بالتنمية المستدامة واستعادة الثقة وبناء السلام.

الصالح العام

في 22 سبتمبر، شاركت منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا» بصفتها شريكًا عالميًا في مؤتمر أهداف التنمية المستدامة 2026، الذي نظمته مؤسسة الصحفيين والكتاب في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأدار كرويا نقاشًا تناول بصورة مباشرة كيفية انتقال المجتمعات الدينية من الأرضية المشتركة بينها إلى العمل من أجل الصالح العام، بمشاركة متحدثين من بينهم الدكتور لويجي دي سالفيا، رئيس «أديان من أجل السلام – إيطاليا».

وفي حديثه عن المشاركة، ركز كرويا على كيفية تمكن المجتمعات الدينية من تحويل الأرضية المشتركة إلى عمل يخدم الصالح العام، بما ينقل الحوار من مجرد اكتشاف ما يجمع أتباع الأديان إلى البحث عما يمكنهم إنجازه معًا لخدمة المجتمع.

ويمنح هذا الطرح للحوار بين الأديان بعدًا عمليًا؛ إذ لا يشترط الاتفاق في المعتقدات أو المواقف المختلفة حتى يبدأ التعاون، وإنما ينطلق من المساحات التي يمكن الاجتماع حولها والعمل من خلالها، مع بقاء حق كل طرف في اختلافه وخصوصيته.

الشباب والتحولات الجديدة

وامتدت مشاركة «أديان من أجل السلام – أوروبا» إلى واحدة من القضايا المرتبطة بمستقبل المجتمعات، إذ شارك أتديه مهمتي، ممثلًا للشبكة الأوروبية للشباب للحوار بين الأديان، في نقاش حول الذكاء الاصطناعي والشباب.

وأعرب كرويا عن اعتزازه بمشاركة صوت الشبكة الشبابية الأوروبية في هذا النقاش، في إشارة إلى أهمية حضور الأجيال الجديدة في التعامل مع التحولات التكنولوجية وما تطرحه من تحديات وفرص اجتماعية وإنسانية.

استعادة الثقة

وفي 23 سبتمبر، اتسعت دائرة النقاش عندما نظمت «أديان من أجل السلام الدولية» في مركز الكنيسة التابع للأمم المتحدة بنيويورك تجمعًا دوليًا بعنوان «استعادة الثقة في عصر الأزمات المتعددة: حوار متعدد الأطراف حول الازدهار المقدس المشترك».

وجمع اللقاء ممثلين عن وكالات الأمم المتحدة وقيادات دينية ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات خيرية ومانحة، لبحث كيفية إسهام التعاون بين الأديان والشراكات بين القطاعات المختلفة في استعادة الثقة والتعامل مع التحديات العالمية.

وأدار كرويا الحوار ممثلًا لـ«أديان من أجل السلام – أوروبا»، جامعًا في النقاش بين رؤى المؤسسات الدولية والمجتمعات الدينية والمنظمات العاملة في مجالي التنمية وبناء السلام.

الإنسان في قلب التنمية

تمحور اللقاء حول مبادرة «الازدهار المقدس المشترك»، التي طورتها «أديان من أجل السلام» ومعهد «فيتزر»، وتقوم على الربط بين رفاه الإنسان ورفاه الآخرين والأجيال المقبلة والكوكب، ووضع الكرامة والتضامن والرعاية والمسؤولية المشتركة في أساس العمل من أجل السلام والتنمية المستدامة.

وتناول الحوار عالمًا تتداخل فيه النزاعات وتغير المناخ وعدم المساواة والتطورات التكنولوجية، مع التركيز على الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية والروحية لهذه التحديات، وما تستطيع المجتمعات الدينية تقديمه ضمن استجابة جماعية لها.

وشملت المناقشات وسائل عملية لتعزيز التعاون متعدد الأطراف، وبناء العلاقات عبر الاختلافات الدينية والثقافية، وتأسيس شراكات مستدامة، بما يربط الحوار بين الأديان بصورة مباشرة بقضايا المجتمع واحتياجات الإنسان.

شراكات تتجاوز الاختلاف

وشارك في الحوار عدد من ممثلي المؤسسات الدولية والدينية والمدنية، بينهم نيكا سعيدي، المسؤولة العالمية عن الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وراشيل بياني، الممثلة الرئيسية للجامعة البهائية العالمية لدى الأمم المتحدة، والقس بيير آر. جوليان، رئيس «أديان من أجل السلام – هايتي»، والحاخام نوعام مارانس، مدير شؤون الحوار بين الأديان في اللجنة اليهودية الأمريكية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات داعمة للعمل التنموي.

ويكشف تنوع المشاركين عن جوهر الفكرة التي حملتها المناقشات: ليس مطلوبًا أن تتطابق المعتقدات والرؤى حتى يستطيع أصحابها العمل معًا؛ فاحترام الاختلاف يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع التعاون في المساحات التي تمس حياة الجميع.

من الحوار إلى الأثر

وفي رسالة تقدير لاحقة، أشاد الدكتور فرانسيس كوريا، الأمين العام لمنظمة «أديان من أجل السلام الدولية»، بإدارة كرويا للحوار ومساهمته فيه، مؤكدًا الالتزام بمواصلة الحوار وتعزيز التعاون المستدام في خدمة الإنسان والكوكب.

ومن جانبه، أعرب كرويا عن استعداده لمواصلة هذا التعاون من خلال «أديان من أجل السلام – أوروبا» وهيئاتها المشتركة، ولا سيما الهيئات الوطنية الأوروبية للحوار بين الأديان، مع إيجاد فرص للشباب ودعم المجتمعات في بناء الثقة والسلام.

وبذلك تلتقي مشاركتا نيويورك عند فكرة واحدة: أن الحوار بين أتباع الأديان لا ينبغي أن تكون غايته إزالة الاختلاف، فالاختلاف حق وواقع إنساني، وإنما اكتشاف المساحات التي يستطيع المختلفون أن يلتقوا فيها دون أن يتخلوا عن خصوصياتهم.

وحين تتحول هذه المساحات المشتركة إلى تعاون في التنمية، ومواجهة الأزمات، وتمكين الشباب، وبناء الثقة والسلام، ينتقل الحوار من الكلمات إلى الأثر، وتصبح القواسم المشتركة نقطة انطلاق لعمل يخدم الجميع.

د. جنتي كرويا..

سفير التسامح الألباني إلى العالم

يمثل الدكتور جنتي كرويا نموذجًا أكاديميًا ألبانيًا يجمع بين المعرفة والعمل الإنساني والحضور المؤسسي، مستندًا إلى تجربة بلاده في التعايش بين أتباع الأديان بوصفها قيمة حضارية يمكن أن تسهم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب والثقافات.

ويعمل كرويا في مجالات علم الاجتماع والحوار بين الأديان وبناء السلام والحرية الدينية، جامعًا بين التدريس والبحث العلمي وقيادة المؤسسات والمشاركة في المحافل الأوروبية والدولية. وتشمل مسؤولياته رئاسة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، والعمل ضمن «أديان من أجل السلام الدولية»، والأمانة العامة لمجلس ألبانيا للحوار بين الأديان، وإدارة معهد «بريزمي للحوار»، إلى جانب عمله أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بدر، وخبيرًا في حرية الدين أو المعتقد لدى مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ورئاسة تحرير المجلة العلمية «زاني إي نالت».

ومن خلال أبحاثه ومحاضراته ومشاركاته الدولية، يحمل كرويا إلى خارج ألبانيا تجربة مجتمع استطاع أن يجعل من التنوع الديني مساحة للعيش المشترك لا سببًا للانقسام، رابطًا بين المعرفة الأكاديمية والحوار الإنساني والعمل من أجل السلام. ومن هنا تتجاوز رسالته حدود النشاط المؤسسي لتقدم صورة حضارية عن ألبانيا، يكون فيها احترام الاختلاف والتعارف والتعاون بين أتباع الأديان جسورًا تصل الإنسان بالإنسان، مهما اختلفت معتقداته وثقافته ووطنه.

المصدر: منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، ومنشورات البروفيسور جنتي كرويا.

التخطي إلى شريط الأدوات