مفتي اشكوردا الشيخ محمد سوتاري يتابع مشروعات تطوير الأوقاف بمشاركة مؤسسة «ميرسيا» الداعمة للمؤسسات الإسلامية في شمال غرب البلاد

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بعد سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا عام 1990، بدأت المشيخة الإسلامية مرحلة جديدة من استعادة نشاطها وإحياء أوقافها وإعادة بناء مساجدها ومراكزها التعليمية والثقافية، عقب عقود من الاضطهاد الديني الذي شمل مصادرة الأوقاف، وإغلاق المساجد وهدم عدد منها، واعتقال العلماء والأئمة، وحظر الشعائر الإسلامية. وتتواصل هذه الجهود اليوم من خلال تطوير المنشآت الوقفية وتعزيز دورها الديني والتعليمي والاجتماعي.
تطوير الأوقاف الإسلامية
وفي سياق جهود تطوير الأوقاف الإسلامية من خلال بناء المساجد وتجديدها وترميمها، وإنشاء مراكز تعليمية وثقافية على الأراضي الوقفية لتعزيز خدماتها الدينية والتعليمية والاجتماعية، فقد أجرى فضيلة الشيخ محمد سوتاري، مفتي محافظة اشكوردا شمال غرب ألبانيا، صباح الأربعاء 4 نوفمبر 2026، زيارة ميدانية لتفقد أعمال إنشاء مركز ثقافي جديد في مييدا على أرض وقف مسجد قديم، وإعادة تأهيل مسجد قرية دومن التابعة للوحدة الإدارية بوستريبا، وفقًا لما نشرته دار الإفتاء في اشكوردا على صفحتها الرسمية بتاريخ 4 نوفمبر 2026.
ورافق المفتي خلال الزيارة مدير مؤسسة «ميرسيا» الخيرية، كوراب كايا، والمدير الإداري لدار الإفتاء في اشكوردا، سايمير دريتاريتي، حيث اطلعوا على سير العمل في المشروعين.
ويُقام المركز الثقافي الجديد في مييدا على أرض وقف المسجد القديم، ومن المنتظر أن يسهم في توسيع الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية، وتوفير مساحة جديدة للقاء أبناء المجتمع المسلم وتنظيم البرامج التي تخدم احتياجاتهم.
أما في قرية دومن، فتجري أعمال إعادة تأهيل المسجد لمعالجة مشكلات تتعلق بسير الأنشطة داخله، وتشمل صيانة الواجهة الخارجية وإجراء تحسينات داخل المبنى، بهدف توفير ظروف أفضل لأداء الشعائر الدينية واستمرار الخدمات التي يقدمها للمصلين.
وأشاد مفتي اشكوردا بالدور الذي تؤديه مؤسسة «ميرسيا» ومديرها كوراب كايا في توسيع شبكة الأوقاف التابعة لدار الإفتاء، من خلال الإسهام في إنشاء مساجد ومراكز ثقافية جديدة على مدار السنوات الماضية.

58 مسجدًا.. شبكة دينية وتعليمية
وتضم شبكة المساجد التي أعلنت عنها دار الإفتاء في محافظة اشكوردا يوم 14 أكتوبر 2026 نحو 58 مسجدًا، منها 18 داخل المدينة و40 موزعة على ست مناطق إدارية محيطة بها، بما يوضح اتساع حضور المؤسسات الإسلامية في الأحياء والقرى.
وتتصدر منطقة بوستريبا، التي تضم قرية دومن، المناطق المحيطة بالمدينة بوجود 11 مسجدًا، تليها آنا إي ماليت بسبعة مساجد، وغوري إي زي وبرديتسا بستة مساجد لكل منهما، وريثينا وبوشات بخمسة مساجد لكل منطقة.
ولا يقتصر دور هذه المساجد على إقامة الصلوات، بل تمثل مراكز تجمع للمجتمع المسلم، يتواصل فيها السكان مع الأئمة لتعلم الإسلام والاستفسار عن الأحكام الشرعية والحصول على التوجيه والإرشاد الديني، إلى جانب ما تتيحه من فرص للتواصل والتعاون المجتمعي.
وكانت دار الإفتاء قد نشرت أسماء المساجد وأئمتها، ودعت السكان إلى المحافظة على الصلوات اليومية، والتواصل مع الأئمة والاستفادة من خدماتهم التعليمية والإرشادية، بما يعزز الصلة المباشرة بين المؤسسات الدينية والأسر المسلمة.
وتؤدي المساجد كذلك دورًا تربويًا في تنشئة الأطفال والناشئة، من خلال دورات تعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية التي تنظمها دار الإفتاء خلال العطلة الصيفية في عدد من مساجد المدينة والقرى التابعة لها.
وتجمع هذه الدورات بين التعليم الديني والتربية الأخلاقية والأنشطة الثقافية والترفيهية والزيارات الميدانية، بإشراف الأئمة والمعلمين ومتابعة مسؤولي التعليم الإسلامي في دار الإفتاء، بما يوفر للأطفال بيئة تجمع بين المعرفة والتربية والتواصل مع أقرانهم.
وشملت هذه الأنشطة مساجد في غوري إي زي وكوسماتش وراغام ولوارزا وكوتش وشكيزا ورروشكول وأوبليكا وميس-ميسليم ودوداس، إلى جانب مسجد غانجولا الذي شهد زيارة متابعة ميدانية لمسؤول التعليم الإسلامي أربين هالوني.
وتوضح هذه الأنشطة أهمية توفير مرافق تعليمية وثقافية مرتبطة بالمساجد، تتيح تنظيم الدروس واللقاءات والبرامج الموجهة لمختلف الفئات العمرية، بينما يمثل إنشاء المركز الثقافي الجديد في مييدا إضافة إلى البنية الوقفية المخصصة للأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية.
اشكوردا.. مدينة العلماء والتجارة
وتُعد اشكوردا، الواقعة بالقرب من الحدود مع الجبل الأسود، من أقدم المدن الألبانية، وقد عُرفت عبر تاريخها بموقعها على طرق التجارة التي ربطت المناطق الداخلية للبلقان بساحل البحر الأدرياتيكي، مما أسهم في تطورها مركزًا تجاريًا وثقافيًا مهمًا.
وتعاقبت على المدينة حضارات متعددة، واحتفظت بمكانتها خلال العهد العثماني، عندما أصبحت المساجد والمدارس الإسلامية والكتاتيب من المؤسسات التي أسهمت في نشر العلوم الشرعية وتعليم الأجيال وإعداد العلماء والأئمة.
وتحتفظ اشكوردا بمعالم بارزة من تراثها الإسلامي، من بينها مسجد الرصاص التاريخي، الذي شُيّد في القرن الثامن عشر، ويُعد من الشواهد المعمارية على الحضور الإسلامي العثماني في شمال ألبانيا.
ومن أبرز العلماء الذين ارتبطوا بالمدينة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، أحد أشهر علماء الحديث النبوي في العصر الحديث، الذي وُلد فيها عام 1914، قبل انتقال أسرته إلى دمشق، حيث نشأ وبدأ مسيرته العلمية.
من حظر الدين إلى استعادة المؤسسات
وشهدت ألبانيا خلال الحكم الشيوعي، الذي بدأ عام 1944، إجراءات واسعة استهدفت المؤسسات الدينية، وبلغت ذروتها عام 1967، عندما فرض النظام حظرًا شاملًا على ممارسة الشعائر، وأغلق دور العبادة، وهدم عددًا منها أو حوّلها إلى استخدامات غير دينية، إلى جانب مصادرة الأوقاف واضطهاد العلماء والأئمة.
ومع انتهاء الحظر وسقوط النظام الشيوعي عام 1990، استؤنفت الصلاة في المساجد، وعاد التعليم الإسلامي والنشاط الدعوي العلني تدريجيًا، وبدأت جهود إعادة بناء المؤسسات الدينية وترميم منشآتها وإحياء أنشطتها التعليمية والخيرية.
وعلى امتداد العقود التالية، استعادت المساجد حضورها مراكز للعبادة والتعليم والإرشاد والتكافل المجتمعي، بالتوازي مع إنشاء مرافق ثقافية وتعليمية جديدة تخدم الأسر المسلمة وتتيح استمرار تعليم الإسلام للأجيال الناشئة.
ولا تزال المؤسسات الإسلامية في ألبانيا تواجه تحديات قانونية وإدارية كبيرة في استعادة الأوقاف والممتلكات الدينية التي صادرها النظام الشيوعي، ما يفرض عليها مواصلة المساعي القانونية لاستردادها تدريجيًا، في ظل تعقيدات وإجراءات تعوق سرعة استعادة هذه الممتلكات وإعادتها إلى دورها الأصلي في خدمة المجتمع المسلم.
المصدر: دار الإفتاء في اشكوردا.