مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مسجد “سانت-بطرسبوغ” الجامع.. أهم مساجد روسيا القيصرية

لمسجد سانت- بطرسبورغ مكانة كبيرة في قلوب شعوب مسلمي روسيا

مسلمون حول العالم ـ متابعات ـ هاني صلاح

بقلم/ الدكتور أمين القاسم ـ الباحث في تاريخ المنطقة

يعد المسجد الجامع أو المسجد التتري أحد معالم مدينة سانت- بطرسبورغ التاريخية، وله مكانة كبيرة في قلوب شعوب مسلمي روسيا.. فما هى قصته؟

بدايًة.. فقد تأسست مدينة سانت-بطرسبورغ عام 1703م، وحملت اسم مؤسسها القيصر بطرس الأول (1672- 1725)، وأصبحت عاصمة الإمبراطورية الروسية بين أعوام (1712- 1728) و (1732- 1918م).

محاولات لبناء جامع

وبدأت محاولات المسلمين التتار للحصول على ترخيص لبناء مسجد في هذه المدينة، منذ القرن الثامن عشر الميلادي، ففي العام 1798م تقدّم أكثر من 500 جندي مسلم في الجيش الروسي بطلب للحصول على مصلى ومقبرة في العاصمة الروسية، ووضعت بعض المخططات العسكرية لبناء مسجد ولكنها لم تر النور، وإنما خصصت بدلا عن ذلك غرف للصلاة في الثكنات العسكرية.

وفي عام 1862م رفضت السلطات الروسية محاولة أحد العسكريين المسلمين جمع الأموال لبناء مسجد حجري مع مئذنة في سانت-بطرسبورغ.

وفي العام 1881م جاءت محاولة أخرى لبناء المسجد بالتنسيق بين بعض أعيان وتجار المدينة المسلمون من جهة والإدارة الدينية لمسلمي أورنبورغ بإدارة مفتيها سليم غيراي تفكيلوف من جهة أخرى، وتم الإتفاق مع مدير الشؤون الدينية في وزارة الشؤون الداخلية الروسية على إنشاء “لجنة بناء مسجد في سانت-بطرسبورغ وجمع التبرعات”. وسُمح بجمع التبرعات من المسلمين القاطنين في المدينة فقط، وبحلول عام 1902م كان المبلغ المجموع لمشروع المسجد هو 44 ألف روبل فقط.

يذكر أنه مع نهاية القرن التاسع عشر بدأت تتشكل في سانت-بطرسبورغ جالية مسلمة أغلبهم من التتار، وقد زاد عددها عن 5 آلاف نسمة من أصل حوالي مليون ومئتي ألف نسمة (عدد سكان المدينة عام 1897م).

أصبحت الحملة الخيرية لجمع تبرعات لصالح بناء المسجد ممكنة في عموم الأراضي الروسية بعد بياني القيصر الروسي عام 1905م “حول حرية الدين”، و”حول منح الحقوق المدنية الديمقراطية للمواطنين”. وكان مجموع ما تم حُصّل نهاية هذا العام حوالي 53 ألف روبل. ومع منتصف العام 1907م زاد المبلغ عن 103 ألف روبل.

وخلال زيارة أمير بخارى سيد عبد الأحد خان (1859- 1910م) للعاصمة الروسية عام 1904م، التقى مع القيصر نيقولاي الثاني (1868- 1918)، وطلب منه السماح ببناء مسجد في العاصمة، وتبرع بمبلغ 312 ألف روبل روسي لشراء أرض المسجد. كما ونظّم بعد ذلك حملات تبرع لصالح المسجد بين تجار بخارى ليجمع منها حوالي 200 ألف روبل ذهبي.

المخطط الهندسي الحالي للمسجد صمّمه المعماري الروسي نيقولاي فاسيلوف (1875- 1958)، وشارك في تنفيذ العمارة المهندس المدني البولندي المسلم ستيبان كريتشينسكي (1874- 1923م)، فيما رسم مخططات مرصّعات الواجهة الأمامية للمسجد الناشر القرمي التتري المعروف إلياس ميرزا بُوراغانْسكي (1852- 1942). وتم تقديم أوراق الحصول على تصريح لبدء العمل في المشروع في ديسمبر من عام 1908م.

بدء البناء

في 3 فبراير من عام 1910م تم وضع حجر الأساس للمشروع، وجاء ذلك التاريخ متزامنا مع مرور 25 سنة على اعتلاء أمير بخارى عبد الأحد خان العرش في بلاده. وافتتح المسجد في 22 فبراير من عام 1913م بحضور أمير بخارى سيد عليم خان (1880- 1940)، وأمير خوارزم أسفينديار خان (1871- 1918م)، وسفيري تركيا وفارس ونائب وزير الخارجية الروسي وعمدة المدينة ومفتي الإدارة الدينية، وعدد من المسؤولين والعسكريين والمسلمين. وتم التخطيط لاستكمال أعمال البناء في داخله حتى نهاية عام 1914م، لكن انخفض التمويل بشكل كبير بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

يبلغ طول مبنى المسجد 45م، وعرضه 32م، ارتفاع مئذنتاه يصل إلى 48م، وتعلوه قبة كبيرة بارتفاع 39م، وزخرفة القبة مستوحاة من زخارف مساجد سمرقند.

تم الإنتهاء من بناء المسجد تماما في أبريل من عام 1920م، وانتظمت الصلوات اليومية فيه، وذلك مع حلول شهر رمضان في ذلك العام، ولكن قررت السلطات الشيوعية إغلاق المسجد عام 1921م. وفي عام 1927م أعيدت ملكيته للمسلمين.

في ثلاثينيات القرن العشرين كان المسجد يعمل، ولكن إدارة المنطقة استولت على الطابق الأرضي واستخدمته لتخرين البطاطا والفواكه! وتم تهديد المسلمين بأنه ستتم مصادرة المسجد إذا لم يقوموا بإجراء تصليحات في مبناه، ولذا قام المسلمون بترميم 70% من المطلوب. ولكن في عام 1940 تقرر إغلاق المسجد، ونقلت محتوياته لمتحف الأديان. أما المبنى فاستخدم كمخزن للأدوات الطبية!

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بذل المسلمون التتار محاولات عدة لإسترداد المسجد، فقدّموا عشرات الطلبات للمسؤولين السوفييت. وفي ديسمبر من عام 1955 تقرر إرجاع المسجد للمسلمين، وأقميت أول صلاة فيه في 18 يناير عام 1956م، وفي نفس العام زاره الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو (1901- 1970). وفي ثمانييات أجرى السوفيت ترميمات على قبة ومئذنة المسجد، وذلك بعد مطالبات عديدة من المسلمين.

خضع المسجد لترميمات بعد سقوط الشيوعية أكبرها كان عام 2003م، وبين عامي 2013- 2015م.

 

التخطي إلى شريط الأدوات