مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ألبانيا.. إلباسان مدينة التاريخ الإسلامي الحي في قلب البلاد

قلعة السلطان محمد الفاتح في قلب المدينة تؤسس لمرحلة حضارية ممتدة عبر القرون

جامع بالية.. من أقدم مساجد الباسان إلى أجمل دور العبادة عالميًا عام 2025

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في مشهد يجمع بين عمق التاريخ وقوة الحضور المعاصر، تبرز مدينة إلباسان، الواقعة في وسط ألبانيا على بعد نحو 33 كيلومترًا جنوب العاصمة تيرانا، كواحدة من أهم المدن التي شكّلت ملامح الهوية الإسلامية في البلاد، حيث تحتضن إرثًا عثمانيًا عريقًا وتقدّم اليوم نموذجًا حيًا لمدينة تجمع بين التراث والتجديد.

وقد شكّل موقعها الاستراتيجي عبر القرون نقطة تلاقي بين الشرق والغرب، لتتحول إلى مركز حضاري وعسكري وثقافي بارز، قبل أن تستعيد في العصر الحديث دورها كوجهة دينية وسياحية تعكس تاريخًا يمتد لخمسة قرون من الحضور الإسلامي.

قلعة السلطان محمد الفاتح.. انطلاقة التحول التاريخي

تمثل قلعة إلباسان حجر الأساس في تاريخ المدينة الإسلامي، إذ شُيّدت خلال العهد العثماني بأمر السلطان محمد الفاتح داخل قلب مدينة إلباسان وعلى أرض سهلية، في نموذج معماري فريد يختلف عن القلاع الجبلية المنتشرة في ألبانيا.

وقد تحوّلت القلعة إلى مركز رئيسي للجيوش العثمانية، ومنها بدأت ملامح التحول الحضاري والديني للمدينة، حيث أصبحت إلباسان لاحقًا أحد أهم مراكز الثقافة والتعليم الإسلامي في البلاد.

ومع مرور الزمن، حافظت القلعة على مكانتها، لتتحول اليوم إلى فضاء تراثي وسياحي نابض بالحياة، يضم مقاهي ومطاعم داخل أسواره، ويمنح الزائر تجربة تجمع بين عبق التاريخ وحيوية الحاضر.

جامع الملك.. أول منارة للإسلام في المدينة

يُعد جامع الملك الأثري من أقدم وأهم المساجد في إلباسان وألبانيا عمومًا، وقد بُني في عهد السلطان بايزيد الثاني داخل القلعة التاريخية، وكان يُعرف في بداياته باسم “جامع الجيش” لخدمته الجنود العثمانيين.

ومع مرور الوقت، أصبح الجامع نقطة الانطلاق الأولى لانتشار الإسلام في المدينة، وتحول إلى مركز علمي وثقافي خرّج أجيالًا من العلماء والحفاظ، وأسهم في ترسيخ الهوية الإسلامية في وسط ألبانيا.

وقد استعاد الجامع مؤخرًا مكانته بعد مشروع ترميم استمر ستة أشهر، ليعود إلى أداء دوره الديني والثقافي، ويستقبل المصلين والزوار من جديد داخل أحد أهم الأحياء التاريخية في المدينة.

وتتضاعف رمزيته التاريخية كونه من أوائل المساجد التي أُعيد افتتاحها بعد سقوط الحكم الشيوعي عام 1991، بعد سنوات من الإغلاق وتحويله إلى استخدامات غير دينية، ليصبح رمزًا لعودة الحياة الدينية في المدينة.

إلباسان.. مدينة المساجد والعلم

بلغت إلباسان ذروة ازدهارها في نهاية القرن السابع عشر، حين ضمت أكثر من 45 مسجدًا رغم أن عدد سكانها لم يتجاوز عشرة آلاف نسمة، ما يعكس مكانتها كواحدة من أهم مراكز التعليم الإسلامي والثقافة في الإمبراطورية العثمانية.

وقد خرج من هذه المساجد علماء وشعراء وحفاظ، وأسهمت المدينة في تطوير الفنون والحرف والعمارة، لتصبح نموذجًا حضاريًا متكاملًا في وسط البلقان.

ورغم ما تعرضت له من تدمير خلال الحقبة الشيوعية، حيث هُدمت معظم المساجد، فإن المدينة استعادت هويتها الدينية تدريجيًا بعد عام 1991، في مسار إحياء يعكس تمسك المجتمع المسلم بجذوره التاريخية.

مسجد بالية.. عمارة حديثة بروح إسلامية

يمثل مسجد بالية نموذجًا للنهضة المعمارية الإسلامية الحديثة في إلباسان، إذ يعود تاريخه إلى عام 1608 قبل أن يُهدم خلال الحقبة الشيوعية عام 1967، ويُعاد بناؤه لاحقًا في موقعه الأصلي بحلة معاصرة.

وقد حقق المسجد إنجازًا عالميًا باختياره ضمن أجمل خمسة دور عبادة في العالم، ووصوله إلى المرحلة النهائية لجائزة “مبنى العام 2025″، بفضل تصميمه الذي يمزج بين الطابع الإسلامي التقليدي والمعايير المعمارية الحديثة.

ويستوعب المسجد نحو 1500 مصلٍ داخله، إضافة إلى ساحات خارجية، ويضم مرافق متكاملة، ما يجعله مركزًا دينيًا ومعماريًا يعكس تطور العمارة الإسلامية في ألبانيا.

طريق فيا إغناتيا.. شريان الحضارات

ارتبطت إلباسان تاريخيًا بمرور طريق فيا إغناتيا، أحد أهم الطرق القديمة التي ربطت بين روما والقسطنطينية، مما جعلها محطة رئيسية للتجارة والجيوش والتواصل الثقافي بين الشرق والغرب، وأسهم في ازدهارها عبر العصور.

خاتمة

تقدّم مدينة إلباسان اليوم نموذجًا فريدًا لمدينة تعيش تاريخها الإسلامي وتعيد تقديمه بروح معاصرة، حيث تتناغم قلعة السلطان محم د الفاتح مع جامع الملك الأثري ومسجد بالية الحديث في لوحة واحدة تجمع بين الماضي والحاضر.

وبين ذاكرة خمسة قرون من الحضارة الإسلامية ونهضة معمارية معاصرة، تواصل إلباسان ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم المدن التاريخية والدينية والسياحية في ألبانيا.

التخطي إلى شريط الأدوات