مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

روسيا.. تأهيل مرشدي قازان السياحيين لتعزيز حضور التراث الإسلامي في الرواية السياحية لـ«عاصمة العالم الإسلامي الثقافية 2026»

عبر برنامج مشترك بين الإدارة الدينية لمسلمي تتارستان و«مدرسة المرشدين السياحيين» في كرملين قازان وأبرشية قازان الأرثوذكسية

خطوة تعكس تكامل المؤسسات الدينية والثقافية والسياحية

لإبراز الهوية الحضارية المتعددة لمدينة قازان ذات الألف عام

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في المدن الإسلامية التاريخية، لا تحفظ الحجارة وحدها ذاكرة المكان، بل يحفظها أيضًا من يروي قصتها للأجيال والزوار. فالمعالم الأثرية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى رواية حضارية تفسر نشأتها، وتكشف دورها في تشكيل هوية المدينة عبر القرون.

وعلى ضفاف نهر الفولغا، في مدينة قازان، عاصمة الإسلام في الفضاء الروسي، حيث تتجاور مآذن المساجد الأثرية العريقة مع قباب الكنائس داخل مدينة يزيد عمرها على ألف عام، تتجسد هذه الحقيقة بوضوح؛ فالسائح لا يكتفي بمشاهدة المعالم، بل يبحث عن القصة التي صنعت المكان، وعن الكيفية التي تفاعلت بها الحضارات والأديان والثقافات لتشكل واحدة من أبرز المدن التاريخية في روسيا.

ولهذا، لا تقل الرواية التي يقدمها المرشد السياحي أهمية عن المعالم نفسها؛ فهي تمنح الحجر ذاكرته، وتربط الآثار بسياقها التاريخي، وتحول الزيارة من مشاهدة عابرة إلى تجربة معرفية تكشف الحضارة التي صنعت المكان.

ومن هنا تبرز أهمية إعداد المرشدين السياحيين في المدن الإسلامية التاريخية الواقعة في الدول غير المسلمة، باعتبارهم حلقة الوصل بين التراث وزواره، وحملة الرواية التي تقدم التاريخ الإسلامي بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الحضارية للمدينة، إلى جانب تراث المكونات الدينية والثقافية الأخرى.

ومع تزايد الاهتمام عالميًا بالسياحة الثقافية، لم يعد نجاح المدن التاريخية يقاس بعدد معالمها الأثرية فحسب، بل بقدرتها على تقديم رواية متوازنة تعكس جميع مكونات هويتها الحضارية. ومن هنا أصبح الاستثمار في إعداد المرشدين السياحيين أحد أهم أدوات الحفاظ على الذاكرة التاريخية، وتعزيز القوة الناعمة للمدن، وتقديم تراثها للأجيال والزوار بصورة علمية ومتوازنة.

وبهذا المعنى، لا يمثل تأهيل المرشدين السياحيين برنامجًا تدريبيًا عابرًا، بل استثمارًا طويل الأمد في بناء الوعي بالتراث، وصون الهوية الثقافية، وتقديم تاريخ المدينة برواية متكاملة تعكس تنوعها الحضاري، وهو ما تجسده المبادرة التي أطلقتها مدينة قازان استعدادًا لدورها بصفتها عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026، حيث انتقلت العناية بالتراث من حفظ المعالم إلى إعداد من يروي قصتها للعالم.

تأهيل المرشدين لتعزيز الرواية السياحية

وفي هذا السياق، واصل قسم التوعية بالإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان تنفيذ برامجه التعريفية بالإسلام، حيث نظم محاضرة بعنوان «تاريخ الحج الإسلامي وواقعه المعاصر» لمرشدي مدينة قازان السياحيين، أقيمت داخل معرض «الرمز الثقافي لمدينة قازان» في كرملين قازان.

وتحدث رئيس قسم التوعية، فضيلة الشيخ لينار حضرة حماتوف، عن الجوانب الرئيسة للحج وأبعاده الروحية عبر التاريخ، كما استعرض رحلة العالم التتاري شهاب الدين المرجاني إلى الحج عام 1880، وقدم شرحًا لفن «الشمائل» من خلال لوحة تتضمن صورة الكعبة المشرفة، موضحًا دلالاتها الدينية والثقافية.

وجاءت المحاضرة ضمن سلسلة برامج تنفذها «مدرسة المرشدين السياحيين» في كرملين قازان بالتعاون مع الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان وقسم التبشير في أبرشية قازان التابعة للكنيسة الأرثوذكسية.

المرشد السياحي.. أول من يروي تاريخ المدينة

تكمن القيمة الخبرية للمبادرة في أنها تستهدف المرشدين السياحيين، وهم الفئة التي تشكل الانطباع الأول لدى الزائر عن تاريخ المدينة وهويتها الثقافية. فالمرشد لا يكتفي بالإشارة إلى المعالم التاريخية، بل يفسر خلفياتها الحضارية ويشرح ارتباطها بالمجتمع الذي أنشأها، وهو ما يجعل امتلاكه معرفة دقيقة بتاريخ الإسلام وتراث المسلمين عنصرًا أساسيًا في جودة الرواية السياحية.

ومع احتضان قازان معالم إسلامية بارزة، مثل مسجد قول شريف ومتحف الثقافة الإسلامية، تزداد أهمية إعداد المرشدين القادرين على تقديم شرح علمي ومتوازن للتراث الإسلامي أمام الزوار القادمين من داخل روسيا وخارجها.

التراث الإسلامي جزء رئيسي من هوية قازان الثقافية

ويكتسب البرنامج أهمية إضافية مع اختيار قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي» لعام 2026، وهو ما يضع المدينة أمام مسؤولية تقديم تراثها الإسلامي بوصفه أحد المكونات الرئيسة لهويتها الثقافية، إلى جانب بقية المكونات التاريخية التي شكلت شخصيتها عبر القرون.

ومن هذا المنطلق، لم يكن تناول موضوع الحج، أو رحلة شهاب الدين المرجاني، أو فن «الشمائل» موضوعات دينية معزولة، بل عناصر معرفية يحتاج إليها المرشد السياحي لفهم المعروضات والمتاحف والمواقع التاريخية، وشرحها للزوار في سياقها الحضاري الصحيح.

شراكة مؤسسية لبناء رواية متوازنة

ويبرز الخبر كذلك نموذجًا للتعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية والسياحية، حيث يجمع البرنامج الإدارة الدينية لمسلمي تتارستان و«مدرسة المرشدين السياحيين» في كرملين قازان وأبرشية قازان الأرثوذكسية في إطار هدف مشترك يتمثل في إعداد مرشدين يمتلكون معرفة شاملة بتاريخ المدينة.

ويعكس هذا النموذج إدراكًا متزايدًا بأن الحفاظ على التراث لا يقتصر على صيانة المباني التاريخية، بل يشمل أيضًا إعداد الكوادر القادرة على تقديم رواية دقيقة ومتوازنة تعكس جميع المكونات الحضارية للمدينة دون إغفال أو اختزال.

نموذج رائد يحتذى به

وتقدم تجربة قازان نموذجًا يستحق الاهتمام في المدن الإسلامية التاريخية الواقعة في الدول غير المسلمة، حيث يسهم التعاون بين المؤسسات الدينية الرسمية والهيئات الثقافية والسياحية في تحويل التراث الإسلامي إلى جزء أصيل من الرواية السياحية للمدينة، إلى جانب تراث المكونات الدينية والثقافية الأخرى.

ولا يقتصر أثر هذا النهج على تحسين تجربة الزائر، بل يمتد إلى تعزيز الوعي بالتاريخ الإسلامي المحلي، وترسيخ قيم التعايش، وإبراز التنوع الحضاري الذي يميز المدن التاريخية، بما يجعل السياحة الثقافية أداة للتعريف بالتراث وبناء جسور الفهم بين الشعوب.

ـ المصدر: الإدارة الدينية لمسلمي تتارستان ـ روسيا

التخطي إلى شريط الأدوات