مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا.. «المعرفة الإسلامية» تدخل عامها الأربعين بعدد جديد يربط الدين بالتاريخ والإنسان

من «اقرأ» إلى الأندلس والأعراس الألبانية.. عدد واحد يفتح خرائط واسعة للمعرفة

العدد 430 يوثق تحولات المجتمع ويحفظ الذاكرة الإسلامية والثقافية في كوسوفا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في كوسوفا، حيث تتجاور الذاكرة الدينية مع التحولات الاجتماعية والثقافية، لا تبدو المجلة الدورية مجرد مطبوعة تصل إلى القارئ كل شهر، بل سجلًا متراكمًا لأسئلة المجتمع وما يحيط به من قضايا المعرفة والهوية والتاريخ والتربية.

ومن هذه الزاوية، يأتي العدد الجديد من «المعرفة الإسلامية» في لحظة رمزية؛ فالمجلة التي بدأت مسيرتها قبل أربعة عقود تصل إلى العدد 430، حاملة بين صفحاتها موضوعات تمتد من بدايات الوحي إلى تاريخ المدن، ومن التربية الفردية إلى تحولات المجتمع.

أربعون عامًا من صناعة المعرفة

صدر العدد 430 من مجلة «المعرفة الإسلامية» في سبتمبر 2026، بالتزامن مع مرور 40 عامًا على إصدارها، جامعًا مواد دينية وفكرية وتاريخية واجتماعية ولغوية، بما يعكس اتساع المجال الذي تتحرك فيه المجلة خلال مسيرتها الطويلة.

ويحمل العدد في صفحاته الأولى رسالة مفتي كوسوفا، نعيم أف. ترنافا، بمناسبة شهر المولد النبوي، ثم ينتقل إلى موضوع «اقرأ! ـ بداية ثورة المعرفة»، في إشارة تضع مفهوم القراءة والمعرفة في مقدمة القضايا التي يتناولها العدد.

ولا يقف هذا المحور عند القراءة بوصفها فعلًا معرفيًا مجردًا؛ إذ يتبعه بحث في القراءة والعلم في الآيات الأولى من الوحي، إلى جانب موضوعات تنتقل من المعرفة إلى الالتزام، ومن العلم إلى التربية وتكوين الشخصية.

المعرفة بوصفها بناءً للإنسان

يمنح العدد مساحة واضحة للعلاقة بين العلم وتكوين الإنسان، من خلال موضوع «المعرفة والتربية ـ مكونان في تكوين شخصية الإنسان»، ودراسة أخرى تبحث في المعرفة باعتبارها عاملًا في تكوين الفرد وتطور المجتمع.

وتتجاوز هذه الموضوعات حدود تقديم المعرفة باعتبارها تراكمًا للمعلومات، لتضعها ضمن عملية أوسع تتصل بالسلوك والتربية وبناء الشخصية والعلاقة بين الفرد وبيئته الاجتماعية.

وفي السياق نفسه، يناقش العدد مفهوم الحلال باعتباره إطارًا واسعًا للأحكام الإسلامية، إلى جانب موضوع «الأدب ـ الصورة الإنسانية لمثل الدين»، فيما تتناول دراسة أخرى الحفاظ على التراث النبوي في العصر فائق الحداثة.

من الوحي إلى التراث

يبدو لافتًا في بنية العدد أن الحديث عن المعرفة لا ينفصل عن الذاكرة؛ فالمجلة تنتقل من الآيات الأولى للوحي إلى تفسير سورة يوسف لحافظ علي قورشا، ثم إلى قضايا تتعلق بالتراث النبوي والشخصيات والوقائع التاريخية.

ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في موضوع «الإمام الروسي» في بريزرن، الذي يتناول الشخصية بين الرواية والأسطورة والوثيقة، وهي زاوية تضع الذاكرة المحلية أمام سؤال التحقق التاريخي، ولا تكتفي بما استقر في الحكاية الشعبية.

كما يتناول العدد تاريخ فيريزاي من القرن الخامس عشر حتى العقد الأول من القرن العشرين، إلى جانب موضوع «الأنظمة رحلت، وبقي التعليم الديني»، بما يربط التحولات السياسية والاجتماعية باستمرار حضور التعليم الديني.

الهوية في تفاصيل الحياة اليومية

لا تحصر المجلة اهتمامها في التاريخ والمؤسسات، بل تقترب من تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية؛ فتتناول الأعراس الألبانية بين التسليع والتقاليد، وتبحث في تطور اللغة الألبانية من خلال مصطلحات علم اللغة الاجتماعي.

ويكشف إدراج هذه الموضوعات عن مساحة أوسع لفهم المجتمع؛ فالهوية لا تتشكل في المؤسسات الدينية وحدها، وإنما تظهر كذلك في اللغة والعادات والمناسبات الاجتماعية وأنماط الحياة اليومية.

وفي هذا الإطار، يأتي موضوع «مهنة الراعي ـ الدور والتأثير في تربية الإنسان» بوصفه مثالًا على محاولة قراءة المهن والعلاقات الاجتماعية من زاوية تربوية وإنسانية، لا باعتبارها موضوعات منفصلة عن تكوين الفرد.

الأندلس بوصفها جسرًا معرفيًا

يمتد العدد كذلك خارج الجغرافيا المحلية إلى التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية، من خلال دراسة تطور الفكر الفلسفي في الأندلس خلال القرون العاشر إلى الثالث عشر وتأثيره في الحضارة الأوروبية.

ويمنح هذا الموضوع العدد بعدًا يتجاوز استعادة الماضي إلى قراءة أثره؛ فالأندلس هنا ليست مجرد فصل تاريخي، وإنما مساحة لفهم انتقال الأفكار وتفاعل الحضارات ودور المعرفة في تشكيل مسارات فكرية امتدت آثارها إلى خارج المجال الإسلامي.

ذاكرة المكان في مواجهة الزمن

تعود المجلة في صفحات أخرى إلى الجغرافيا المحلية، من خلال موضوعات تتصل بتاريخ بريزرن وفيريزاي، وصولًا إلى خبر وضع حجر الأساس لمسجد الحجر في مالشيفه.

وبذلك يجمع العدد بين مسجد يُبنى في الحاضر، وتاريخ مدن يُستعاد من الماضي، وأسئلة فكرية تبحث في المستقبل؛ وهي ثلاث طبقات زمنية تجعل المجلة أقرب إلى مساحة لتوثيق التحولات من كونها مجرد مجموعة مقالات منفصلة.

وتتجاور في العدد موضوعات تتحدث عن التراث النبوي، والتعليم الديني، والفكر الفلسفي، واللغة، والعادات الاجتماعية، بما يمنح القارئ صورة متعددة المستويات عن علاقة المعرفة بالدين والمجتمع والذاكرة.

العدد بوصفه وثيقة ثقافية

تكمن أهمية العدد 430، في هذا التنوع تحديدًا؛ فهو لا يقدم قضية واحدة، وإنما يرسم شبكة من الموضوعات التي تتقاطع عند مفاهيم المعرفة والتربية والهوية والتراث والمجتمع.

ومع بلوغ المجلة عامها الأربعين، يصبح استمرار الإصدار في حد ذاته جزءًا من القصة؛ إذ تتحول أعدادها المتراكمة إلى ذاكرة مكتوبة لمسار ثقافي وفكري امتد عبر أربعة عقود، بينما يواصل العدد الجديد إضافة طبقة أخرى إلى هذه الذاكرة.

ويمكن الحصول على المجلة من مكتبة «المعرفة الإسلامية» في بريشتينا، ومن مقار مجالس المشيخة الإسلامية في مختلف مراكز كوسوفا.

الخاتمة

لا تختصر قيمة العدد 430 في احتفائه بأربعين عامًا من الإصدار، بل في الطريقة التي يوظف بها هذه المساحة الممتدة لطرح أسئلة تتجاوز حدود المقال الديني التقليدي؛ من معنى المعرفة والقراءة، إلى التربية والهوية، ومن حفظ التراث إلى قراءة التاريخ، ومن اللغة والعادات إلى أثر الفكر الإسلامي في الحضارات الأخرى. وبهذا يقدم العدد صورة عن المعرفة بوصفها ذاكرة حية تتصل بالإنسان والمجتمع والمكان، وتنتقل من الماضي إلى الحاضر دون أن تفقد قدرتها على طرح أسئلة المستقبل.

ـ المصدر: المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا 

التخطي إلى شريط الأدوات