الرسم والقصيدة والمجسم.. طلاب دريناس يعبّرون عن السيرة والقيم في يومين من المسابقات والعروض والأناشيد والأنشطة التفاعلية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
ليست كل معرفة تُحفظ في الذاكرة، ولا كل قيمة تصل إلى الطفل بمجرد أن تُروى له؛ فالتعلم الأعمق يبدأ حين يجد الطفل فرصة ليعيش ما يتعلمه ويعبّر عنه بطريقته.
في التجربة التربوية، يتحول الطفل من متلقٍ للمعلومة إلى شريك في بنائها؛ يتأمل، ويسأل، ويجرب، ثم يمنح ما تعلمه صورة تعبّر عن فهمه ومشاعره.
وقد يكون اللون وسيلته للتعبير، والقصيدة لغته، والمجسم طريقته في تحويل الفكرة إلى شيء ملموس. هنا يصبح الإبداع امتدادًا للتعلم، لا نشاطًا منفصلًا عنه.
وحين يجتمع ذلك في أجواء تفاعلية واحتفالية، تتسع التجربة لتشمل المشاركة والتعاون والثقة بالنفس، وتصبح المعرفة مرتبطة بذكرى وتجربة ومشاعر، لا بمجرد معلومة عابرة.
حين يصبح التعلم فعلًا
وفي هذا السياق، نظم قسم المرأة بمجلس المشيخة الإسلامية في دريناس بكوسوفا يومي 5 و6 سبتمبر 2026 فعالية «بحب محمد صلى الله عليه وسلم»، التي جمعت بين التعلم والإبداع والتعبير، وأتاحت للطلاب التعرف إلى حياة النبي وقيمه، ثم التعبير عما تعلموه من خلال الفن والكتابة والعمل اليدوي ومجموعة من الأنشطة التفاعلية.
ولم تقتصر الفعالية على تقديم المعلومات، بل أتاحت للطلاب تحويل المعرفة إلى أعمال إبداعية؛ فشارك بعضهم في إعداد مجسمات ثلاثية الأبعاد، واتجه آخرون إلى الرسم، بينما عبّر آخرون بالكتابة من خلال المقالات والقصائد، إلى جانب المسابقات والعروض التقديمية والأناشيد والفقرات الشعرية.
من المعرفة إلى التعبير
تكشف طبيعة الأعمال المقدمة عن جانب تربوي مهم في التجربة؛ فالطالب لا يكتفي هنا باستقبال المعلومة، وإنما يعيد صياغتها وفق قدرته وخياله وطريقته في التعبير.
وتنوعت وسائل المشاركة بين الرسم والمجسمات والكتابة، بما أتاح للطلاب مساحات مختلفة لإظهار مواهبهم، وربط المعرفة بالسيرة والقيم بعمل يستطيع الطفل أن يراه ويعرضه ويشاركه مع الآخرين.
وكانت المسابقة إحدى الوسائل التي حفزت الطلاب على المشاركة والإبداع، مع بقاء قيمة التجربة أوسع من مجرد الوصول إلى المراكز الأولى.
المنافسة لم تلغ قيمة المشاركة
شهدت الفعالية تكريم عدد من الأعمال الفائزة، حيث حصل Amar Mustafa على المركز الأول عن عمل ثلاثي الأبعاد وجائزة قدرها 50 يورو، فيما فازت Erinë Morina عن الرسم بجائزة قدرها 30 يورو، وحصلت Rejana Mehani عن المقال أو القصيدة على جائزة قدرها 20 يورو.
وأشارت الجهة المنظمة إلى أن اختيار الفائزين لم يكن سهلًا، نظرًا لما تميزت به الأعمال من جمال وإبداع وجهد، وهو ما يعكس اتساع مساحة المشاركة وتنوع القدرات بين الطلاب.
وبذلك لم تكن الجائزة هي الغاية الوحيدة من النشاط، وإنما جاءت جزءًا من تجربة تشجع الطفل على بذل الجهد، وتمنحه فرصة لرؤية أثر ما تعلمه في عمل من إنتاجه.
التكريم جزء من التجربة
وفي اليوم الختامي، قام رئيس الأئمة في مجلس المشيخة الإسلامية في دريناس، الحاج شبيتيم أفديلي، بتوزيع الجوائز على الفائزين، وهنأ الطلاب على مشاركتهم وأعمالهم.
كما حصل جميع المشاركين على شهادات تقدير وهدايا رمزية، في تأكيد على أن المشاركة نفسها تستحق التقدير، وأن التجربة التعليمية لا تختزل في ترتيب الفائزين.
واختُتمت الفعالية في أجواء اجتماعية دافئة، جمعت المشاركين في لقاء ختامي، لتبقى التجربة مرتبطة كذلك بالتفاعل والاحتفاء والعمل الجماعي.
الأسرة في قلب المشهد
ولم تنفصل التجربة عن محيط الطلاب، إذ وجه قسم المرأة الشكر إلى مجلس المشيخة الإسلامية في دريناس، وأولياء الأمور، والطلاب، وكل من أسهم في إنجاح الفعالية.
ويكشف حضور الأسرة في مثل هذه الأنشطة عن أهمية البيئة المحيطة بالطفل في دعم التجربة التعليمية، فالإبداع يحتاج إلى التشجيع، والمشاركة تصبح أكثر أثرًا حين يجد الطالب من يسانده ويقدر جهده.
من عنوان إلى تجربة
حمل النشاط عنوان «بحب محمد»، لكنه لم يترك المحبة في حدود الشعار؛ بل منح الطلاب وسائل متعددة للتعبير عنها، من اللون إلى الكلمة، ومن الرسم إلى المجسم، ومن العرض إلى المشاركة الجماعية.
وهنا تتجاوز التجربة حدود الاحتفاء بالمناسبة لتقدم نموذجًا تربويًا يجعل السيرة النبوية مدخلًا للتعلم والإبداع معًا؛ فالطفل يتعرف إلى القيم، ثم يفكر فيها، ويعبّر عنها، ويشارك الآخرين ما توصّل إليه.
إن الانتقال من التلقي إلى التعبير يمنح المعرفة فرصة أكبر لأن تتحول إلى تجربة شخصية، ويجعل النشاط التعليمي مجالًا لاكتشاف المواهب وبناء الثقة وتشجيع الطفل على أن يكون فاعلًا فيما يتعلمه.
وتقدم فعالية «بحب محمد صلى الله عليه وسلم» في دريناس صورة لتعليم يمكن أن يفتح للطفل أكثر من طريق لفهم القيمة والتعبير عنها؛ فبينما تنتهي المسابقة بتوزيع الجوائز والشهادات، تبقى الأعمال التي صنعتها الأيدي والكلمات التي كتبتها الأقلام والتجربة التي عاشها المشاركون جزءًا من أثر أوسع من حدود المنافسة نفسها.
ـ المصدر: قسم المرأة ـ مجلس المشيخة الإسلامية في دريناس





