مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

حسن عشماوي.. الطبيب والداعية ومسيرة 30 عامًا في زيمبابوي جنوب قارة إفريقيا

بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

سلسلة «نقاط مضيئة».. قراءة في الشخصيات الملهمة والتجارب التي صنعت أثرًا إنسانيًا ومعرفيًا ممتدًا

مسلمون حول العالم ـ متابعات

يواصل الكاتب الصحفي الدكتور مجدي سعيد تقديم سلسلته «نقاط مضيئة»، التي تندرج ضمنها فقرات «قصص ومعان»، مقدمًا من خلالها قراءات عميقة في نماذج إنسانية صنعت أثرًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، حيث لا تكتفي هذه السلسلة بسرد السيرة أو توثيق الحدث، بل تنفذ إلى جوهر التجربة، مستحضرة المعنى الأعمق والدلالة الحضارية الكامنة وراءها، كاشفًا الضوء على شخصيات رائدة صنعت أثرًا باقياً ومجهولة للكثيرين منا.

في هذه الحلقة، يتوقف الدكتور مجدي سعيد عند تجربة الأستاذ الدكتور حسن عشماوي، بوصفها نموذجًا ممتدًا للعمل الإنساني والمؤسسي، حيث تكشف مسيرته في زيمبابوي عن تجربة متكاملة جمعت بين الطب والدعوة وبناء المؤسسات، في سياق يعكس عمق الأثر الذي يمكن أن يصنعه الفرد حين يمتلك رؤية ورسالة واضحة.

من الأنثروبولوجيا إلى الوعي بدور الأفراد في إفريقيا

بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

تشكلت ملامح الوعي الأول بهذه التجربة عندما أتيحت للكاتب فرصة دراسة دبلومة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، حيث كشفت دراسة تاريخ الفكر الأنثروبولوجي عن أدوار آلاف الأفراد الذين قدموا من الغرب إلى آسيا وإفريقيا عبر قرون، في صورة باحثين أو مستكشفين أو مبشرين أو موظفين، ضمن مشاريع مؤسسية تخدم بلدانهم.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول نماذج العمل القادمة من العالم العربي، وقدرتها على بناء أثر حقيقي ومستدام داخل المجتمعات الإفريقية، وهو ما تجسده تجربة الدكتور حسن عشماوي بوصفها نموذجًا مختلفًا في الاتجاه والنتائج.

بداية الرحلة من مصر إلى زيمبابوي وبناء المسار المهني

ينتمي الدكتور حسن عشماوي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة في القاهرة، حيث تخرج في كلية طب القصر العيني عام 1981، وتخصص في جراحة المسالك البولية. وكغيره من الأطباء الشباب، كان يطمح إلى استكمال مسيرته المهنية في الولايات المتحدة، إلا أن مسار حياته اتجه إلى وجهة مختلفة حين ابتُعث عام 1992 إلى زيمبابوي ضمن برنامج الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا.

في مدينة بولاوايو، العاصمة الاقتصادية، بدأ مشواره المهني، واستكمل تأهيله بالحصول على زمالة كلية الجراحين بإدنبرة، ثم اتخذ قرارًا حاسمًا بالبقاء بعد انتهاء مدة بعثته، ارتباطًا بالمجتمع الذي اندمج فيه، وبحاجة الناس إلى خدماته، في خطوة شكلت بداية مسيرة امتدت لثلاثة عقود.

بناء منظومة طبية إنسانية تخدم المجتمع

لم يقتصر دور الدكتور حسن عشماوي على العمل الطبي التقليدي، بل اتجه إلى تأسيس نموذج مؤسسي متكامل، حيث أطلق عام 2006 الجمعية الطبية الإسلامية في زيمبابوي، واضعًا هدفًا واضحًا يتمثل في تقديم نموذج عملي للخدمة الإنسانية دون تمييز، مع إشراك أبناء المجتمع المحلي في التأسيس والإدارة.

ومن خلال عيادات الشفا، التي افتتح أول فروعها في يناير 2007، تم تقديم خدمات طبية واسعة شملت عشرات الآلاف من المستفيدين، عبر القوافل الطبية، وبرامج علاج العيون، وجراحات المياه البيضاء، وحملات التبرع بالدم، إلى جانب برامج التوعية الصحية والإغاثة الطبية في أوقات الأزمات.

كما توسعت هذه التجربة بإنشاء فروع متعددة في مدن مختلفة، والعمل على تأسيس مستشفى، ومشروعات متقدمة مثل مركز زراعة الكلى، في نموذج يعكس الانتقال من المبادرات الفردية إلى بناء منظومة صحية مستدامة، مع تسليم إدارتها تدريجيًا لأبناء البلاد.

التحول إلى الدعوة ونشر المعرفة

امتد أثر التجربة من المجال الطبي إلى المجال الدعوي والمعرفي، حيث بدأ الدكتور حسن عشماوي تقديم محاضرات عن السيرة النبوية بدافع شخصي نابع من حب المعرفة، قبل أن تتحول هذه المحاضرات إلى مشروع واسع استقطب جمهورًا متزايدًا في المساجد ومختلف مناطق البلاد.

وتطورت هذه الجهود إلى تقديم سلسلة من المحاضرات عن الصحابة، وعلى رأسهم العشرة المبشرون بالجنة، ثم توثيقها في مواد مسجلة وكتب مطبوعة بالعربية، مع العمل على ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، بما يوسع دائرة التأثير إلى المجتمعات الناطقة بها داخل القارة الإفريقية.

انفتاح مجتمعي وحضور متوازن في مختلف الدوائر

حافظت تجربة الدكتور حسن عشماوي على توازن واضح بين مختلف دوائر الانتماء، حيث ظل منفتحًا على المجتمع المحلي ومؤسساته، وكذلك على السفارة المصرية والجاليات العربية، حتى أصبح بيته يُعرف بـ”بيت الأمة”، في دلالة على حضوره الاجتماعي الواسع.

كما حرص على الحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية، من خلال تعليم أبنائه وأبناء الجالية اللغة العربية، في إطار يجمع بين الاندماج الإيجابي والحفاظ على الجذور.

توثيق التجربة وأهميتها المعرفية

قام الدكتور حسن عشماوي بتوثيق تجربته في كتاب «مذكرات طبيب في أفريقيا» الصادر عام 2020، وهو جهد يُحسب له في ظل ندرة نماذج توثيق التجارب المهنية والإنسانية في البيئات الإفريقية، رغم ما تحمله من خبرات غنية يمكن البناء عليها مستقبلاً.

ورغم الحاجة إلى مزيد من التوسع في عرض تفاصيل هذه التجربة، فإن مجرد توثيقها يمثل خطوة مهمة نحو بناء معرفة تراكمية في هذا المجال، خاصة في ظل غياب المشاريع المؤسسية التي تستثمر مثل هذه الخبرات ضمن رؤية أوسع.

إصدار جديد يعكس امتداد المشروع المعرفي

وفي امتداد لهذا المسار، صدرت النسخة الإنجليزية من كتاب «حياة العشرة المبشرين بالجنة»، ويجري العمل على توزيعه داخل زيمبابوي وعدد من الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية، في خطوة تعكس تطور المشروع من نطاق محلي إلى نطاق أوسع يخاطب جمهورًا عالميًا.

وقد شارك في هذا العمل فريق متميز، حيث تولت الأستاذة هايا محمد عيد ترجمة الكتاب، وقام الدكتور محمد عبد الهادي بتحقيقه، فيما أسهم الدكتور ياسر الشرقاوي في دعم هذا الجهد من خلال تقديم مجموعة من الكفاءات الشابة، في صورة تعكس تكامل الأدوار بين الأجيال.

خاتمة

تمثل تجربة الأستاذ الدكتور حسن عشماوي نموذجًا فريدًا للعمل الممتد الذي يجمع بين الإنسان والمؤسسة، وبين الخدمة والمعرفة، في مسار يؤكد أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بزمنه فقط، بل بقدرته على الاستمرار والتجدد.

وهي تجربة تقدم درسًا عمليًا في أن العمل الصادق، حين يقترن بالرؤية والتخطيط، يمكن أن يتحول إلى نموذج ملهم يتجاوز حدود المكان، ويترك بصمة حقيقية في حياة المجتمعات.

التخطي إلى شريط الأدوات