مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. كيف تبني دار الإفتاء العامة منظومة تعليمية تحمي الهوية الإسلامية من المسجد إلى الجامعة؟

من طفل يتعلم القرآن في قرية صغيرة إلى خريج جامعي يجمع بين العلوم الحديثة والمعرفة الشرعية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في الدول التي عاشت عقودًا طويلة تحت الحكم الشيوعي، لم يكن التحدي بعد سقوط تلك الأنظمة مجرد إعادة فتح المساجد أو استئناف الشعائر الدينية، بل كان التحدي الأكبر هو إعادة بناء الإنسان، واستعادة الذاكرة الدينية، وإحياء المؤسسات القادرة على نقل الهوية من جيل إلى آخر.

وفي بلغاريا، حيث تعرض المجتمع المسلم خلال مراحل تاريخية مختلفة لمحاولات تهميش الدين وإضعاف مؤسساته، برز التعليم بوصفه الوسيلة الأهم للحفاظ على الهوية الإسلامية وضمان استمرارها.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى إعلان دار الإفتاء العامة في بلغاريا عن تنظيم المدرسة الصيفية للعام السابع على التوالي باعتباره خبرًا عن نشاط تربوي عابر، بل باعتباره جزءًا من مشروع تعليمي متكامل يبدأ من المسجد وينتهي بالجامعة.

المسجد.. نقطة البداية

تعتمد المنظومة التعليمية الإسلامية في بلغاريا على قاعدة واسعة تنتشر في مختلف المحافظات والمدن والقرى، وهي كتاتيب المساجد. وتشرف دار الإفتاء العامة في بلغاريا بصورة مباشرة على هذه الكتاتيب، التي تنظم دورات قرآنية صيفية وأخرى شتوية، وتعد من أهم الأنشطة التعليمية والتربوية للمجتمع المسلم في البلاد.

وتشكل هذه الكتاتيب أول مؤسسة تعليمية يلتقي بها الطفل المسلم، حيث يتعلم قراءة القرآن الكريم وأساسيات الإسلام والأخلاق والقيم والانتماء إلى المجتمع. ولا تقتصر وظيفتها على التعليم، بل تؤدي دورًا اجتماعيًا وثقافيًا في ربط الأطفال بالمساجد وبالحياة الدينية في مناطقهم.

دورات القرآن.. القاعدة الشعبية للتعليم الإسلامي

تمثل الدورات القرآنية الصيفية والشتوية أكبر قاعدة جماهيرية للتعليم الإسلامي في بلغاريا. فهي لا تستهدف فئة محددة أو منطقة بعينها، بل تشمل المجتمع المسلم في مختلف أنحاء البلاد، وتفتح أبوابها لأعداد كبيرة من الأطفال والناشئة. وبفضل هذا الانتشار، أصبحت هذه الدورات الحاضنة الأولى التي يكتشف فيها الأطفال قدراتهم وميولهم نحو التعليم الديني.

المدرسة الصيفية.. الحلقة المفقودة

هنا تظهر أهمية المدرسة الصيفية. فالبرنامج لا يقدم نفسه بوصفه بديلًا عن كتاتيب المساجد، بل بوصفه المرحلة التي تربط بينها وبين المدارس الثانوية الإسلامية الشرعية. ولهذا السبب تستهدف المدرسة الصيفية الفئة العمرية التي تسبق المرحلة الثانوية، حتى يتعرف الطلاب والطالبات عن قرب على البيئة التعليمية في هذه المؤسسات.

إنها ليست دورة لحفظ القرآن، وليست مخيمًا للترفيه، بل جسر تربوي ينتقل من خلاله الطالب من التعليم الديني الأولي إلى التعليم الإسلامي المؤسسي.

استثمار ثمار كتاتيب المساجد

تؤدي المدرسة الصيفية دورًا مهمًا في تشجيع الطلاب والطالبات الذين أظهروا اهتمامًا بالتعليم الديني على مواصلة هذا المسار. فهي تمنحهم فرصة العيش داخل المدارس الإسلامية، والتعرف على نظامها التعليمي، ومدرسيها، وأنشطتها، والفرص التي تتيحها لهم في المستقبل. وبذلك تتحول المدرسة الصيفية إلى حلقة انتقالية بين مرحلتين تعليميتين، وتساعد على استمرارية المنظومة بأكملها.

ثلاث مدارس تحمل المشروع

يقام البرنامج في المدارس الثانوية الإسلامية الشرعية الثلاث في شومن وروسه ومومتشيلغراد. ولا تمثل هذه المدارس مجرد مؤسسات تعليمية، بل تعد مراكز لإعداد أجيال جديدة تجمع بين المعرفة الدينية والعلمية. وقد أصبحت هذه المدارس أحد أهم أعمدة الحفاظ على الهوية الإسلامية في بلغاريا.

تعليم ديني وتعليم حكومي في آن واحد

من أبرز خصائص هذه المدارس أنها لا تقتصر على تدريس العلوم الشرعية. فالطالب يدرس فيها كذلك المناهج الحكومية الرسمية والمواد العلمية الحديثة، شأنه شأن أي طالب في المدارس الأخرى. ويتعلم الرياضيات والعلوم واللغات وسائر المواد الأكاديمية، إلى جانب القرآن الكريم والحديث والفقه والثقافة الإسلامية. وبذلك لا يجد الطالب نفسه مضطرًا للاختيار بين دينه ومستقبله العلمي.

الطريق إلى الجامعة

تؤهل هذه المدارس خريجيها للالتحاق بالجامعات ومواصلة الدراسة في مختلف التخصصات. فهي لا تخرج أئمة وخطباء فقط، وإنما تخرج كذلك أطباء ومهندسين ومدرسين ومحامين واقتصديين وغيرهم. والفارق أن هؤلاء يدخلون الحياة الجامعية والمهنية وهم يحملون معرفة صحيحة بدينهم ويحافظون على هويتهم الإسلامية.

بناء الإنسان قبل بناء المؤسسة

تكمن أهمية هذه المنظومة في أنها لا تركز على إنشاء المباني أو تنظيم الأنشطة فحسب، بل على بناء الإنسان. فالغاية هي إعداد شخصية متوازنة تجمع بين الإيمان والعلم، وبين الانتماء الديني والانفتاح على المجتمع، وبين الأصالة ومتطلبات العصر.

التعليم بوصفه حماية للهوية

في المجتمعات التي عاشت فترات من محاربة الدين، يصبح التعليم وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية. ولهذا فإن ربط الأطفال بالمسجد، ثم بالمدرسة الشرعية، ثم بالجامعة، يضمن استمرار الهوية الإسلامية بصورة طبيعية ومتجددة. كما يمنع حدوث فجوة بين الأجيال، ويحافظ على انتقال المعرفة والقيم من الآباء إلى الأبناء.

بيئة تربوية متكاملة

لا يقتصر برنامج المدرسة الصيفية على الدروس، بل يجمع بين المعرفة والأنشطة الثقافية والاجتماعية والتربوية، ويتيح للمشاركين التعرف إلى زملاء من مختلف مناطق البلاد، وبناء صداقات جديدة، وتنمية روح التعاون والانتماء. كما يتضمن البرنامج رحلة تعليمية إلى مدينة بورصة في الجمهورية التركية، بما تمنحه من فرصة للاطلاع على المعالم التاريخية والثقافية الإسلامية.

الاستثمار في المستقبل

إن المدرسة الصيفية ليست مشروعًا قصير الأجل، بل استثمار طويل المدى في مستقبل المجتمع المسلم. فالطفل الذي يبدأ رحلته في كتّاب المسجد، ثم ينتقل إلى المدرسة الصيفية، ثم إلى المدرسة الإسلامية الثانوية، ثم إلى الجامعة، يصبح جزءًا من دورة متكاملة لإعداد الكفاءات التي يحتاجها المجتمع.

منظومة متكاملة لا برامج متفرقة

تكشف التجربة البلغارية أن الأنشطة التعليمية ليست مبادرات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة. فكتاتيب المساجد تؤسس، والمدرسة الصيفية تربط، والمدارس الشرعية تؤهل، والجامعات تفتح آفاق التخصص، بينما تبقى الهوية الإسلامية هي الخيط الذي يجمع هذه المراحل جميعًا.

رسالة تتجاوز حدود بلغاريا

تمثل هذه التجربة نموذجًا يمكن أن تستفيد منه المجتمعات المسلمة التي عاشت فترات من التهميش أو فقدان المؤسسات الدينية، لأنها تؤكد أن الحفاظ على الهوية لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء منظومة تعليمية تبدأ من الطفل الصغير وترافقه حتى يصبح عضوًا فاعلًا في مجتمعه.

ولهذا يمكن القول إن المدرسة الصيفية التي تنظمها دار الإفتاء العامة في بلغاريا ليست مجرد نشاط موسمي، بل هي الجسر الذي يربط بين كتاتيب المساجد والتعليم الإسلامي المؤسسي، ويؤسس لجيل يجمع بين المعرفة الشرعية والعلوم الحديثة، ويحمل هويته الإسلامية بثقة وهو يواصل طريقه نحو المستقبل.

ـ المصدر: دار الإفتاء العامة في بلغاريا

التخطي إلى شريط الأدوات