ترسيخ الهوية لدى أبناء الجاليات البوسنية في أوروبا يقابله تمكين الشباب من قيادة المبادرات المجتمعية في تتارستان بوسط روسيا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم يعد الاستثمار في الشباب داخل المؤسسات الإسلامية يقتصر على تنظيم الأنشطة والبرامج الموسمية، بل أصبح يمثل رؤية مؤسسية متكاملة تبدأ ببناء الهوية والانتماء، ثم تتدرج إلى تنمية القدرات وتمكين الشباب من الإسهام في خدمة مجتمعاتهم.
وتكشف قراءة في تقريرين نُشرا اليوم من البوسنة والهرسك وجمهورية تتارستان أن اختلاف البيئات الجغرافية لم يمنع من التقاء المشيخات الإسلامية حول هدف واحد يتمثل في إعداد جيل يجمع بين الاعتزاز بهويته والقدرة على صناعة الأثر.
وتبرز التجربتان أن بناء الشباب لا يتم عبر مسار واحد، وإنما من خلال مراحل متكاملة تبدأ بترسيخ الهوية الدينية والثقافية، ثم توفير البيئة التي تمكن الشباب من تحويل ما اكتسبوه من قيم ومعارف إلى مبادرات عملية تخدم المجتمع وتعزز حضوره.
ترسيخ الهوية بوصفه نقطة الانطلاق

قدم تقرير المدرسة الصيفية «الجذور والهوية» في سراييفو نموذجًا للاستثمار في شباب الجاليات البوشناقية في أوروبا، من خلال ربطهم بتاريخهم ومؤسساتهم الدينية والثقافية ووطنهم الأم. ولم يقتصر البرنامج على الجانب التعليمي، بل اعتمد على المعايشة المباشرة والتعرف إلى الإرث الحضاري، بما يعزز الانتماء ويؤسس لشخصية قادرة على الحفاظ على هويتها في مجتمعات الاغتراب.
وتعكس هذه التجربة إدراكًا بأن الهوية ليست هدفًا مستقلًا، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه أدوار الشباب المستقبلية، وأن الحفاظ على ارتباط الأجيال الجديدة بجذورها يمثل استثمارًا طويل الأمد في استقرار المجتمعات المسلمة واستمرار رسالتها.
تمكين الشباب من خدمة المجتمع

وفي المقابل، أبرز تقرير منتدى «المشروعات» الإسلامي للشباب في تتارستان مرحلة أخرى من الاستثمار في الشباب، تقوم على اكتشاف الطاقات الواعدة وتحويل الأفكار إلى مبادرات قابلة للتنفيذ من خلال التدريب، والتقييم، والدعم المالي والإعلامي والاستشاري.
ويكشف هذا النموذج عن انتقال الشباب من مرحلة التلقي إلى مرحلة المبادرة، حيث أصبحوا شركاء في تقديم حلول تخدم مجتمعاتهم في مجالات متعددة، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الإسلامية في قدرتهم على تحمل المسؤولية والإسهام في التنمية المجتمعية.
رؤية مؤسسية متكاملة
وعند قراءة التجربتين معًا، يتضح أن المشيخات الإسلامية تتبنى رؤية متكاملة للاستثمار في الشباب؛ تبدأ ببناء الهوية والانتماء، ثم تنتقل إلى تنمية المهارات، وتنتهي بتمكين الشباب من أداء دورهم في خدمة مجتمعاتهم. وبين سراييفو وقازان تتغير البرامج والوسائل، لكن الهدف يبقى واحدًا: إعداد جيل واعٍ بهويته، مؤهل لقيادة المبادرات، وقادر على صناعة أثر مستدام داخل مجتمعه.