مشروع أول مدرسة إسلامية مستدامة في تايوان يقابله تأهيل مرشدي قازان لإبراز التراث الإسلامي في الرواية السياحية
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لا تُصان الهوية الإسلامية بالشعارات وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تجمع بين صناعة الإنسان وحفظ ذاكرة المكان. فالتعليم يضمن انتقال العقيدة والقيم والثقافة إلى الأجيال الجديدة، بينما يحافظ التراث على الوعي بالجذور الحضارية ويمنح المجتمعات ثقتها بتاريخها ودورها في الحاضر.
وبين أقصى شرق آسيا وأقصى شرق أوروبا، تكشف تجربتا تايوان وقازان أن المجتمعات المسلمة، رغم اختلاف بيئاتها السياسية والثقافية، تلتقي عند أولوية واحدة تتمثل في ترسيخ الهوية الإسلامية بجناحيها: التعليم والتراث.
وتبرز التجربتان أن الحفاظ على الهوية لم يعد يقتصر على الجهود الفردية أو المبادرات الموسمية، بل أصبح مشروعًا مؤسسيًا طويل الأمد، يعتمد على التخطيط، والشراكات، وإعداد الكوادر القادرة على حمل الرسالة إلى الأجيال المقبلة.

التعليم… استثمار في مستقبل المجتمع المسلم
يجسد تقرير تايوان مرحلة تأسيسية في مسيرة التعليم الإسلامي، من خلال إطلاق حوار وطني يمهد لإنشاء أول مدرسة إسلامية مستدامة في البلاد. ولم ينشغل المشاركون ببناء المدرسة بوصفها منشأة تعليمية فحسب، بل ركزوا على بناء نموذج مؤسسي متكامل يبدأ بإعداد المعلمين والقيادات التربوية، وصياغة فلسفة تعليمية تجمع بين الهوية الإسلامية ومتطلبات النظام التعليمي التايواني.
وتعكس هذه المبادرة إدراكًا متزايدًا بأن المدرسة ليست مجرد مكان للتعليم، وإنما المؤسسة التي تحفظ هوية الأجيال المسلمة، وتؤهلها للمشاركة الإيجابية في المجتمع مع الحفاظ على خصوصيتها الدينية والثقافية.

التراث… حماية الذاكرة الإسلامية للمدينة
وفي قازان، يبرز مسار موازٍ يقوم على صون الهوية من خلال الحفاظ على التراث الإسلامي وتقديمه للأجيال والزوار برواية علمية متوازنة. ولهذا جاء برنامج تأهيل المرشدين السياحيين ليمنحهم المعرفة اللازمة بتاريخ الإسلام في المدينة، ويؤهلهم لنقل هذا الإرث الحضاري ضمن الرواية السياحية لعاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026.
ويؤكد هذا النموذج أن حماية التراث لا تتحقق بصيانة المباني التاريخية وحدها، بل بإعداد من يمتلك القدرة على تفسير قيمتها الحضارية، وربطها بتاريخ المجتمع الذي أنشأها، بما يعزز حضور الإسلام بوصفه أحد المكونات الأصيلة لهوية قازان الثقافية.
الهوية الإسلامية بجناحيها
وعند قراءة التجربتين معًا، يتضح أن المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية تتجه نحو رؤية أكثر شمولًا لحماية هويتها؛ فبينما تبني تايوان مستقبلها عبر التعليم، تعمل قازان على صون ذاكرتها الحضارية عبر التراث، ليشكلا معًا جناحي الهوية الإسلامية اللذين لا يكتمل أحدهما دون الآخر. فالتعليم يصنع الإنسان، والتراث يحفظ الذاكرة، وبهما معًا تستطيع المجتمعات المسلمة أن تعزز حضورها، وتنقل رسالتها، وتبني مستقبلها بثقة واستدامة.