مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

المساجد في كوسوفا.. تراث وقفي يحفظ الذاكرة والهوية التاريخية

التوثيق العلمي والترميم وحفظ الذاكرة يعيد إبراز مكانة المساجد في تاريخ كوسوفا وتراثها الحضاري

مسلمون حول العالم ـ متابعات

بقلم: الإعلامي رمضان اشكودرا ـ رئيس إدارة النشر والثقافة في رئاسة المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا

تمثل المساجد في كوسوفا واحدة من أبرز الشواهد المادية على تاريخ المجتمع وتطوره الحضاري، فهي لا تقتصر على كونها أماكن للعبادة، وإنما ترتبط بتاريخ العمران والتعليم والحياة الاجتماعية والثقافية، وبالتقليد الوقفي الذي أسهم عبر قرون في إنشاء مؤسسات دينية وتعليمية وعامة واجتماعية مستقرة.

ومن هذه الزاوية، فإن الحفاظ على المساجد التاريخية لا يعني حماية مبانٍ قديمة فحسب، وإنما حماية طبقة أساسية من الذاكرة التاريخية والثقافية لكوسوفا، بما تحمله من شواهد على تطور المجتمع وعلى الدور الذي أداه الوقف في بناء مؤسساته وخدمة أجياله.

التراث الثقافي شاهد على تاريخ الشعوب

تمثل التراث الثقافي المادي واحدة من أكثر الشواهد أصالة على تاريخ الشعوب؛ فمن خلال المعالم والمباني والأعمال التي أنشئت عبر القرون تحفظ المجتمعات ذاكرتها، وتكشف تطور حضارتها، وتبني الصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ولهذا ينبغي تقييم التراث الثقافي وفق معايير علمية وتاريخية وثقافية، بعيدًا عن الأحكام الأيديولوجية والسياسية والدينية المسبقة، باعتباره جزءًا لا ينفصل عن هوية البلد وتاريخه.

وتعد كوسوفا مساحة التقت فيها حضارات وثقافات وتقاليد متعددة، تشكل في مجموعها فسيفساء تراثها الثقافي. وضمن هذه الفسيفساء يمثل التراث الإسلامي طبقة تاريخية مهمة امتدت لأكثر من خمسة قرون، شهدت خلالها البلاد إنشاء مئات المنشآت الدينية والتعليمية والعامة والاجتماعية التي أثرت في تطورها العمراني والثقافي والروحي.

المساجد.. ذاكرة معمارية وحضارية

تأتي المساجد في مقدمة المعالم التي تمثل هذا التراث؛ فهي إلى جانب كونها أماكن للعبادة، تعد شواهد معمارية وفنية وتاريخية على تطور المجتمع وذاكرته الجماعية.

وتتداخل فيها عناصر العمارة والفن والتقاليد الوقفية والتطور العمراني وتاريخ المؤسسات التعليمية والثقافية التي نشأت حولها، ولذلك تمثل جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي لكوسوفا والحضارة الألبانية.

وتشير المعطيات إلى أن عددًا كبيرًا من المساجد في الفضاء الألباني، ومنه كوسوفا، أنشأها واقفون ونبلاء ومحسنون ألبان، وهو ما يضيف إليها قيمة تاريخية وهوياتية؛ فهي لا تعكس التدين الذي حمله منشئوها فحسب، وإنما تشهد كذلك على تقليد ألباني راسخ في الوقف والعمل الخيري.

كما تعكس عمارتها مستوى متقدمًا من المهارة الإنشائية والحس الجمالي وتداخل العناصر الفنية المحلية مع التقاليد الإسلامية، لتشكل معالم ذات قيمة ثقافية خاصة.

الوقف وبناء الحياة المدنية

لم تقتصر وظيفة المساجد على العبادة، بل مثلت مراكز مهمة للحياة المدنية، وشواهد على تطور المدن والتعليم والثقافة والحياة الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي عبر القرون.

ومن خلال تاريخ المساجد يمكن قراءة تاريخ مجتمع استثمر في مؤسسات مستدامة لخدمة الدين والعلم والمجتمع، وهو ما يجعلها جزءًا لا ينفصل عن التراث الثقافي الألباني.

التراث الإسلامي بين التهميش والتدمير

لكن هذه الطبقة من التراث لم تحظَ دائمًا بالتقييم والاهتمام اللذين تستحقهما، لأسباب ارتبطت بالتطورات السياسية والأيديولوجية في القرن العشرين، وببعض التفسيرات التاريخية التي تأثرت بالسياقات السياسية لتلك المرحلة.

وتشير المادة إلى أن السرديات المتأثرة بالتأريخ الصربي قدمت في فترات طويلة المعالم الإسلامية باعتبارها عناصر غريبة أو تراثًا مفروضًا، أو شاهدًا على مرحلة لم تُعامل باعتبارها جزءًا عضويًا من تاريخ كوسوفا.

وأثرت هذه المقاربة في تهميش التراث الإسلامي داخل الدراسات التاريخية وسياسات الحماية المؤسسية وفي التصور الاجتماعي له.

ولم تقتصر النتائج على الجانب النظري؛ ففي فترة النظام الشيوعي في يوغوسلافيا السابقة تعرض عدد من المساجد والمنشآت الإسلامية للضرر أو الهدم أو التدمير الكامل، أحيانًا تحت مبررات مرتبطة بالتحديث العمراني أو بسياسات الدولة التي لم تتعامل مع هذا التراث باعتباره مكونًا أساسيًا من التراث الثقافي للبلاد.

وكان فقدان هذه المعالم خسارة لا تخص المسلمين وحدهم، وإنما مثل إفقارًا لا يمكن تعويضه للتراث الثقافي في كوسوفا.

كما أن عددًا من المعالم التي بقيت لم يحظَ دائمًا بما يتناسب مع قيمته التاريخية والمعمارية والفنية، إذ غاب لعقود التوثيق المنهجي والدراسة العلمية والترميم المتخصص والتعريف المؤسسي، فبقي جزء مهم من الذاكرة التاريخية بعيدًا عن الاهتمام، ولم يستثمر إمكانه الثقافي والعلمي والسياحي بالقدر الذي يستحقه.

الحرب الأخيرة واستهداف الذاكرة

تعرض هذا التراث لضربة قاسية أخرى خلال الحرب الأخيرة في كوسوفا. ووفق المادة، جاءت الحملة التي استهدفت المؤسسات الدينية الإسلامية في سياق سياسة التطهير العرقي وتدمير الهوية الثقافية الألبانية.

وتؤكد المادة أن تدمير المساجد لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب، وإنما جزءًا من حملة منظمة استهدفت محو الآثار التاريخية والثقافية للألبان في هذه المنطقة.

وخلال عامي 1998 و1999، تعرضت 218 مسجدًا بأشكال مختلفة للهجوم أو الضرر أو التدمير، وهو رقم يعكس المكانة التي كانت تحتلها هذه المعالم باعتبارها حاملة للهوية التاريخية والثقافية والروحية للشعب الألباني.

ولم يكن الاستهداف مقتصرًا على المساجد، بل طال كذلك المدارس الدينية والتكايا والمنشآت الوقفية الأخرى والمكتبات والأرشيفات التاريخية.

إعادة الاعتبار للتراث الإسلامي

حتى بعد الحرب، استمرت، بحسب المادة، بعض الأصوات في أوساط أكاديمية وفكرية متأثرة بإرث التأريخ والأيديولوجيا في المرحلة الاشتراكية في النظر إلى التراث الإسلامي باعتباره طبقة غريبة عن التاريخ المحلي.

وتؤكد المادة أن هذا التصور لا يصمد أمام الوقائع التاريخية، لأن مساجد كوسوفا أنشأها ومولها وحافظ عليها في الغالب ألبان، ومن ثم فهي جزء من التاريخ الوطني لكوسوفا، وإنكارها أو التقليل من شأنها يعني إنكار جزء مهم من هويتها التاريخية والثقافية.

وفي هذا السياق، تستحق مبادرات وزارة الثقافة خلال السنوات الأخيرة التقدير، من خلال الاستثمار في ترميم وحفظ عدد من المساجد ذات القيمة الأثرية الخاصة، باعتبار ذلك خطوة مهمة نحو مقاربة أكثر شمولًا لحماية التراث الثقافي، والتعامل مع المعالم الإسلامية بوصفها جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي لكوسوفا.

وفي ضوء المفهوم المعاصر للتراث الثقافي، القائم على الشمول والأصالة واحترام مختلف الطبقات التاريخية، تصبح إعادة تقييم التراث الإسلامي في كوسوفا ضرورة متزايدة.

فالمساجد ينبغي ألا تُرى فقط باعتبارها مباني ذات وظيفة دينية، وإنما بوصفها وثائق تاريخية ومعالم للثقافة المادية وجزءًا لا ينفصل عن الهوية الثقافية لكوسوفا؛ فهي تشهد على التطور العمراني للمدن، وتقليد الوقف، ومستوى المهارة الإنشائية، والحياة التعليمية والتنظيم الاجتماعي عبر قرون طويلة.

التوثيق العلمي مسؤولية حضارية

لا يقتصر الهدف على إثبات القيمة المعمارية للمساجد، وإنما يتجاوز ذلك إلى إثارة نقاش أعمق حول مكانتها في التاريخ والثقافة.

ومن هنا تبرز أهمية المعرفة العلمية والتوثيق المنهجي والترميم المهني والتعريف المؤسسي؛ فهذه ليست مجرد إجراءات فنية، وإنما مسؤولية مؤسسية ومجتمعية للحفاظ على الذاكرة التاريخية، وتصحيح الاختلالات التفسيرية السابقة، وإعطاء هذه المعالم مكانتها في تاريخ كوسوفا وثقافتها وذاكرتها الجماعية.

الذاكرة في الصور.. توثيق ما دُمّر

وفي هذا السياق تأتي تجربة معرض «الذاكرة في الصور ـ المساجد المدمرة في البوسنة والهرسك وكوسوفا خلال تسعينيات القرن الماضي.. إبادة دينية مخططة»، الذي نظم في بريشتينا يوم 18 ديسمبر 2025.

وقد سعى المعرض إلى توثيق وإظهار جانب مهم من التراث الثقافي والديني الذي دُمّر عمدًا خلال حروب تسعينيات القرن الماضي، باعتبار أن تدمير المساجد لم يكن مجرد اعتداء على مبانٍ إسلامية، وإنما استهدافًا للذاكرة التاريخية والهوية الثقافية والتراث الحضاري لشعوب المنطقة.

وتكتسب عملية توثيق هذه المعالم ودراستها أهمية تتجاوز الاهتمام الأكاديمي، لأنها تمثل شهادة على حفظ الذاكرة التاريخية والحقيقة العلمية.

المعرض يتحول إلى مادة علمية

وفي امتداد لهذه المهمة، نشرت مجلة «التربية الإسلامية» «Edukata islame»، في بابها الدائم «موضوع العدد»، الأوراق التي قُدمت في افتتاح معرض «الذاكرة في الصور».

وبذلك لم يتوقف أثر المعرض عند الصور المعروضة، وإنما انتقلت مادته إلى المجال البحثي والنشر العلمي، لتصبح الوثيقة البصرية موضوعًا للدراسة، والدراسة مادة منشورة، والمعرض وسيلة لإيصال المعرفة إلى المجتمع.

وهكذا تتشكل حلقة متكاملة:

الصورة توثق، والمعرض يعرّف، والبحث يفسر، والنشر يحفظ، والمؤسسة تنقل المعرفة إلى الأجيال.

الوقف.. من البناء إلى حماية الذاكرة

تكشف هذه الرؤية عن جانب مهم من الوظيفة الحضارية للوقف في كوسوفا؛ فالوقف لم يكن مجرد وسيلة لبناء المساجد والمنشآت، وإنما كان جزءًا من عملية بناء المدن والتعليم والثقافة والحياة الاجتماعية.

ومن ثم فإن حماية المساجد التاريخية، وتوثيق ما دُمّر منها، ودراسة وثائقها، وإعادة تقييم مكانتها، وترميم ما يمكن إنقاذه، كلها تدخل في إطار أوسع لحماية الذاكرة الوقفية والحضارية للمجتمع.

فالوقف الذي تركه السابقون لا يُحفظ فقط ببقاء المبنى، وإنما أيضًا بحفظ قصته ووثيقته ووظيفته وتاريخ المجتمع الذي أنشأه وانتفع به.

ومن هنا يصبح الحفاظ على التراث الوقفي مسؤولية تتشارك فيها المؤسسات الأكاديمية والثقافية والدينية، والباحثون والمجتمع، بحيث تنتقل هذه الأصول من مجرد شواهد على الماضي إلى معرفة حية يستفيد منها الحاضر وتصل إلى الأجيال القادمة.

إن إعادة الاعتبار للمساجد والأوقاف التاريخية في كوسوفا ليست عودة إلى الماضي فحسب، وإنما استعادة لجزء من الذاكرة الحضارية، وإدماج لهذا الإرث في الوعي الثقافي والعلمي المعاصر، بما يضمن أن تبقى المساجد والأوقاف شاهدًا حيًا على تاريخ المجتمع ودور العطاء الإسلامي في بناء مؤسساته وحضارته.

 

التخطي إلى شريط الأدوات