من التغطية المتفرقة إلى بناء ذاكرة إعلامية للمجتمعات المسلمة.. منبر متخصص يوثق حضورها وتجاربها، ويربط بينها، ويؤدي دور جسر للتواصل المعرفي، ويمنحها مساحة للتعبير عن واقعها وقضاياها بصوتها، ليشكّل مرجعية إعلامية ومعلوماتية للباحثين والمهتمين بالشأن الإسلامي حول العالم.

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تعيش المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية في مختلف أنحاء العالم واقعًا متنوعًا؛ فمنها مجتمعات أصيلة عريقة ذات تاريخ طويل في بلدانها، ارتبط وجودها بهذه البلدان عبر قرون متعاقبة، ومنها أقليات مهاجرة وافدة حديثة التكوين، تتحول مع تعاقب الأجيال وامتداد وجودها على مدى عقود إلى مجتمعات مستقرة ومتجذرة في بلدانها الجديدة.
وعلى اختلاف هذه التجارب وتباين ظروفها، تشترك جميعها في حاجة أساسية تتمثل في وجود حضور إعلامي يعرّف بها، وينقل واقعها، ويتيح للعالم التعرف إلى حياتها وقضاياها وثقافاتها وإنجازاتها.
وعلى الرغم من اتساع هذا الوجود وتنوعه، فإن جانبًا كبيرًا من حياة المسلمين خارج العالم الإسلامي لا يحظى بتغطية إعلامية دولية منتظمة تتناسب مع حجمه وأهميته. وما يصل إلى الجمهور في كثير من الأحيان يرتبط بحدث استثنائي أو قضية طارئة، بينما تبقى الحياة اليومية للمجتمعات المسلمة، ومؤسساتها، وتجاربها، وتراثها، ومسارات تطورها، بعيدة عن المشهد الإعلامي الدولي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى منبر إعلامي دولي احترافي ومستقل يعرّف بهذه المجتمعات، وينقل صوتها، ويوثق حياتها وتجاربها، ويقدمها إلى العالم في سياقها الحقيقي، وذلك للأسباب الخمسة التالية:
1. فجوة إعلامية تتجاوز حدود الخبر
المشكلة لا تكمن في غياب الأحداث، فالمجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية تشهد بصورة مستمرة أنشطة ومبادرات في مجالات التعليم والثقافة والشؤون الدينية والعمل الاجتماعي، إلى جانب تجارب متنوعة في الحوار والتعايش والحفاظ على الهوية والتراث وخدمة المجتمع.
لكن كثيرًا من هذه التجارب يبقى داخل نطاقه المحلي، ولا يجد طريقه بصورة منتظمة إلى جمهور دولي يستطيع التعرف إليها وفهم خصوصيتها. وهنا تظهر الحاجة إلى إعلام متخصص لا ينتظر المناسبة الكبرى أو الحدث الاستثنائي، وإنما يتابع المجتمع في حياته الطبيعية، ويرصد ما ينجزه وما يواجهه، وكيف يحافظ على هويته، وكيف يتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها.
2. شمولية الصورة.. أن تُرى المجتمعات كما هي
تحتاج المجتمعات المسلمة إلى مساحة إعلامية تتيح التعرف إليها من خلال واقعها الفعلي، بعيدًا عن الاختزال أو الصور النمطية أو حصرها في قضية واحدة. فالمجتمع المسلم ليس مجرد أرقام أو جالية أو أقلية دينية، وإنما مجتمع له مؤسساته ومدارسه ومساجده ومراكزه الثقافية، وله علماؤه ومثقفوه وشبابه ونساؤه، وله تراثه وعاداته وتجربته الإنسانية وحضوره في الحياة العامة.
والتعريف بهذه العناصر مجتمعة لا يهدف فقط إلى نقل أخبار المجتمعات المسلمة، وإنما إلى تقديم صورة شاملة عنها، تُظهر تنوعها وتركيبتها وتجاربها وقضاياها وحضورها في الحياة العامة، وتضع كل مجتمع في سياقه الخاص، بدل اختزاله في حدث عابر أو قضية محددة، أو أن تظل صورته محصورة في زاوية واحدة لا تعكس حقيقة حياته وتنوع تجربته.
3. الانتقال من الحدث إلى فهم الإنسان والمجتمع
الإعلام المتخصص في شؤون المجتمعات المسلمة لا ينبغي أن يكتفي بنقل أخبار المؤتمرات والفعاليات والبيانات، وإنما عليه أن يتجاوز الحدث إلى سياقه، وأن يقرأ ما وراءه من واقع اجتماعي وثقافي وديني، وما يعكسه من احتياجات وأولويات وتحولات يعيشها المجتمع. فالقيمة الإعلامية لا تقتصر على معرفة ما حدث، وإنما تمتد إلى فهم لماذا حدث، وما الذي يعنيه للمجتمع، وكيف يرتبط بمساره العام.
فوراء كل حدث سياق يستحق أن يُروى؛ فافتتاح مدرسة لا يمثل مجرد مناسبة تعليمية، وإنما يكشف عن اهتمام المجتمع بتعليم أجياله وبناء مستقبله، وإنشاء مركز ثقافي يعكس حاجة إلى المعرفة والتواصل، والمبادرة الاجتماعية تكشف عن أولويات واحتياجات حقيقية، ومشروع الحفاظ على التراث يعبر عن وعي بأهمية الذاكرة والهوية ونقلها إلى الأجيال القادمة.
ومن هنا تأتي أهمية التغطية التي تضع الإنجازات في سياقها، فتعرّف بما حققته المجتمعات المسلمة من تجارب ومبادرات ومؤسسات، وفي الوقت نفسه تساعد على فهم التحديات التي تواجهها، وما تفرضه المتغيرات الاجتماعية والثقافية والقانونية من أسئلة واحتياجات جديدة، بدل الاكتفاء بعرض النجاحات أو رصد المشكلات بصورة منفصلة عن سياقها.
كما أن قراءة الأحداث ضمن سياقها تفتح المجال لاستشراف المستقبل؛ ففهم مسار المجتمع، وما حققه من إنجازات، وما يواجهه من تحديات، وما يطرأ على واقعه من تحولات، يساعد على قراءة الاتجاهات التي يمكن أن يتجه إليها مستقبلًا، ويمنح المتلقي صورة أكثر عمقًا عن حاضر المجتمع وإمكاناته وآفاقه.
وهنا تتجلى قيمة الإعلام المتخصص؛ في أن يحول الأخبار والأحداث المتفرقة إلى معرفة مترابطة، تتيح للقارئ التعرف إلى إنجازات المجتمعات المسلمة، وفهم تحدياتها، وقراءة واقعها في سياقه، واستشراف مستقبلها، بدل أن تظل التغطية مجرد سجل لما حدث دون فهم لما يعنيه.
4. رصد التجارب الرائدة وتوثيق الخبرات
لا تقتصر أهمية الإعلام المتخصص على التعريف بوجود المجتمعات المسلمة وتنوعها، وإنما تمتد إلى رصد ما تقدمه من تجارب رائدة، وتوثيق الخبرات التي راكمتها مؤسساتها وأفرادها عبر سنوات من العمل في مجالات التعليم والثقافة والعمل الاجتماعي والحفاظ على الهوية والتراث والحضور في الحياة العامة. فكثير من هذه التجارب تنشأ في سياقات محلية، وتظل معروفة داخل نطاقها، رغم ما يمكن أن تحمله من أفكار وممارسات قابلة للاستفادة في مجتمعات أخرى.
ومن هنا يمكن للمنبر الإعلامي المتخصص أن يؤدي دور جسر معرفي بين المجتمعات المسلمة، من خلال التعريف بتجاربها وخبراتها ونقل المعرفة المتراكمة لديها إلى مجتمعات أخرى، بما يتيح اكتشاف النماذج المختلفة، والتعرف إلى أساليب العمل والحلول التي طورتها هذه المجتمعات في التعامل مع احتياجاتها وتحدياتها، ويفتح المجال أمام تبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة بينها.
ولا يقتصر توثيق هذه التجارب على عرض نتائجها، وإنما يشمل التعريف بمراحل نشأتها، والظروف التي تشكلت فيها، والأفكار التي قامت عليها، والتحديات التي واجهتها، والحلول التي طورتها، والنتائج التي حققتها. وبذلك تتحول التجربة من خبر عابر إلى معرفة موثقة يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها.
كما أن جمع هذه الخبرات المتنوعة في مساحة إعلامية واحدة يتيح بناء رصيد معرفي متراكم عن المجتمعات المسلمة، ويساعد الباحثين والمهتمين على التعرف إلى تجاربها في سياقاتها المختلفة، بدل أن تظل هذه المعرفة موزعة بين مصادر محلية متفرقة يصعب الوصول إليها أو مقارنتها.
وبذلك يصبح الإعلام المتخصص أكثر من مجرد ناقل للإنجازات؛ إذ يؤدي دورًا في رصد التجارب، وتوثيق الخبرات، وربط المجتمعات معرفيًا، وإتاحة ما لديها من معرفة وتجارب للآخرين، بما يعزز التعارف والتعلم المتبادل، ويحفظ جانبًا مهمًا من الخبرة المتراكمة للمجتمعات المسلمة حول العالم.
5. أن تتحدث المجتمعات عن نفسها بلسانها
من أهم أدوار المنبر الإعلامي المتخصص أن يمنح المجتمعات المسلمة فرصة للتحدث عن نفسها، وتقديم واقعها وتجاربها وقضاياها من داخلها، بدل أن تظل صورتها مرهونة بما يقال عنها من خارجها.
فالمجتمع أقدر على شرح خصوصيته وتاريخه وأولوياته والتحديات التي يواجهها وما ينجزه في محيطه. كما أن نقل صوته مباشرة يتيح فهمًا أكثر دقة للواقع، ويمنح أبناء المجتمع فرصة للمشاركة في تعريف الآخرين بتجربتهم.
ولا يعني ذلك أن يتحول الإعلام إلى منبر دعائي، وإنما أن تتاح للمجتمعات مساحة حقيقية للتعبير عن ذاتها وعرض تجربتها، ضمن معالجة إعلامية مهنية تقوم على الدقة والتحقق والوضوح.
«مسلمون حول العالم».. محاولة لسد هذه الفجوة
من هذه الحاجة جاءت فكرة «مسلمون حول العالم»، بوصفه منصة إعلامية متخصصة في التعريف بالمجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية، شعوبًا وأقليات، ورصد حياتها وقضاياها وثقافاتها وإنجازاتها.
وتعمل المنصة، في حدود إمكانياتها، على المساهمة في سد فجوة إعلامية قائمة من خلال متابعة أخبار هذه المجتمعات وتجاربها، والتعريف بمؤسساتها ومبادراتها، ورصد قضاياها، وإبراز ثقافاتها وتراثها وقصصها الإنسانية.
ولا ينطلق الموقع من ادعاء الإحاطة بكل ما يحدث في هذا العالم الواسع، وإنما من محاولة أداء دور إعلامي متخصص يلفت الانتباه إلى مجتمعات قد لا تجد حضورًا كافيًا في وسائل الإعلام، ويمنحها مساحة للتعريف بنفسها وبواقعها.
فالمجتمعات المسلمة موزعة على دول وقارات، وتتعدد لغاتها وخصوصياتها وظروفها وتجاربها، ولذلك فإن المساحة التي تحتاج إلى التغطية أكبر بكثير من قدرة أي منصة واحدة.
ومن هنا ينظر «مسلمون حول العالم» إلى عمله باعتباره محاولة مستمرة للمساهمة في سد هذه الفجوة، وليس ادعاءً بالقدرة على الإحاطة بكل ما يحدث أو احتكار مهمة التعريف بهذه المجتمعات.
وتزداد قدرة المنصة على أداء دورها كلما اتسعت صلتها بالمجتمعات والمؤسسات والأفراد فيها، لأن التعريف الحقيقي يبدأ من المجتمع نفسه، ومن الاستماع إلى أصواته وتجارب أبنائه، ومن بناء علاقة مستمرة معه تتيح الوصول إلى ما يستحق التوثيق والتعريف.
لا تحتاج المجتمعات المسلمة إلى إعلام يجمّل صورتها بقدر ما تحتاج إلى إعلام يعرّف بها بصدق وهدوء وعمق؛ إعلام يروي كيف يعيش المسلمون، وما الذي يفعلونه، وما الذي يحافظون عليه، وما الذي يواجهونه، وكيف يشاركون في مجتمعاتهم، وما الذي يقدمونه لمحيطهم.
وهذه هي المساحة التي يحاول «مسلمون حول العالم» أن يعمل فيها، وفق إمكانياته وأدواته، ليكون نافذة على المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية، وجسرًا يصل أخبارها وتجاربها وثقافاتها وقضاياها إلى جمهور أوسع.
فالمجتمعات المسلمة موجودة في مختلف أنحاء العالم، ولها قصص وتجارب وذاكرة وإنجازات، وما تحتاج إليه في كثير من الأحيان ليس المزيد من الخطاب عنها، وإنما مساحة إعلامية مهنية ومنظمة تتيح التعرف إليها كما هي، وتوثق حاضرها، وتحفظ جانبًا من ذاكرتها، وتتيح لها أن تتحدث عن نفسها، وتعرّف العالم بتنوعها وإسهاماتها.





