مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مسلمو البرازيل.. الأسرة حارس القيم الإسلامية

“واقع المسلمين اليوم في البرازيل على المحك.. أصبح الجيل الثالث أو الرابع مهددا بالذوبان في مجتمع وثقافة مختلفة، ولم يعد لهم سوى خيارين: إما أن تصحح الأسرة من واقعها، وتحافظ على الأجيال الناشئة؛ فتصبح صالحة للحياة الاجتماعية الإسلامية، وإما أن ترضخ للواقع الحالي لتستمر حالة الوهن، ويدخل الجميع في دوامة لن تكون نهايتها إلا ذوبان الهوية وترك الإسلام”..

بهذه الكلمات أطلق الداعية المتطوع حسين الصيفي صيحة تحذيرية من استمرار التهاون في الاهتمام بالأسرة المسلمة، والتقصير في إيجاد المؤسسات المعنية بها وبالحفاظ على استقرارها في دول الغرب.

وشدد الصيفي على أن الأسرة والجالية المسلمة اليوم في البرازيل عليها أن تقف وقفة لتراجع فيها نفسها، وأن تسارع الجالية إلى بناء وتقوية المؤسسات التربوية والتعليمية التي تدعم الأسرة؛ لتستطيع التغلب على الفتن المحيطة والتحديات المستمرة، وإلا فلن يبقى شيء عن الإسلام في نفس الأجيال الناشئة إلا بعض العادات التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وحذر الأسر المسلمة من دخول الجميع في دوامة لن تكون نهايتها إلا ذوبان الهوية وترك الإسلام، والوصول لمرحلة الكفر والإلحاد.

"حسين الصيفي" الناشط في مجالات الدعوة والإعلام في البرازيل
“حسين الصيفي” الناشط في مجالات الدعوة والإعلام في البرازيل

وبصوت تعلو نبرته الحسرة، تابع الصيفي قائلا: “لا أرى في نفوس الأجيال القادمة إلا بعض العادات العربية والإسلامية”.

لكن هذا الواقع المر -كما وصفه الصيفي– لم يمنعه من الإشارة إلى أن “هناك نشاطات إسلامية إيجابية، لكنها متفرقة لا تفي بالطلب، ولا تحقق الحد الأدنى من احتياجات مسلمي البرازيل”، في وقت أصبح عدد المسلمين في البرازيل يتكاثر بسرعة عجيبة على واقع مر “تلاميذ مسلمون من غير مدارس إسلامية، لا يعرفون العربية، ويجهلون مبادئ الإسلام الأساسية”.

معرفة الجذور

في تصريح لـ“إسلام أون لاين.نت” يعود بنا الشيخ خالد تقي الدين، مدير الشئون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، إلى الوراء للتعرف على جذور الأسر المسلمة بالبرازيل، مشيرا إلى أن 90% من الأسر المسلمة في البرازيل ترجع لأصول لبنانية، ثم فلسطينية 5%، فسورية 3%، بالإضافة لجنسيات أخرى: مصرية، ومغربية، وإفريقية بنحو 2%.

الشيخ خالد تقي الدين، مدير الشئون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل
الشيخ خالد تقي الدين، مدير الشئون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل

وأوضح أن 85% من المهاجرين الأوائل كانوا لا ينوون الإقامة بالبرازيل، وحينما طالت الغربة وبدأ الكثيرون منهم يفكرون في الزواج عادوا إلى لبنان، وبعد زواجهم استقر بهم المقام مرة أخرى في البرازيل، وإن 15% منهم فقط تزوجوا من نساء هذه البلاد.

وأضاف: “هذه النسبة ازدادت بالتدريج؛ حيث وصلت في الجيل الثاني إلى30%، لتصل اليوم إلى 50% مع الجيل الثالث”.

وتابع: “هذا الاختلاط أدى إلى اندماج ثقافتين مختلفتين لتربية الأبناء؛ مما أدى لواقع جديد بين أبناء المسلمين يتمثل في وجود نسبة تتمسك بدينها وعاداتنا الإسلامية وتقاليدنا، وهي نسبة قليلة لا تتعدى 20%، ونسبة تعرف اليسير عن الإسلام، وتحافظ على حضور بعض المناسبات الدينية وهذه تمثل 40% من المسلمين، وحوالي 30% لا يعرفون إلا أنهم مسلمون، و10% اعتنقوا أديانا أخرى”.

وقد أدى ذلك إلى نوع من الخلل في المفاهيم الاجتماعية التي تأثرت بشكل كبير بمفاهيم المجتمع البرازيلي، وكثرت حالات الطلاق والتفكك الأسري، كنتاج طبيعي لعدم تقدير المسئولية الأسرية وقداستها.

مواجهة الذوبان

وحول الجهود التي تبذلها تلك الأسرة للمحافظة على الهوية الإسلامية لأبنائها، أكد الشيخ تقي الدين أن “كثيرا من الأسر المسلمة بالبرازيل تحرص على تربية أبنائها تربية إسلامية، وتسعى للبحث عن محاضن تربوية تعنى بتدريس الإسلام لأبنائهم، سواء أكانت المدرسة أو المسجد”.

ولفت إلى أن “الجالية قامت بإنشاء نواد اجتماعية الغرض منها تعارف الأسر المسلمة في نطاق أسري”، مشيرا إلى أن بعض الأسر من ميسوري الدخل “تقوم بإرسال أبنائها للبلد الأصلي للتعرف عليها، أو الانتظام في دورات صيفية لتعلم اللغة العربية”.

لكنه لفت إلى أن “الأسرة المسلمة تحتاج لمزيد من الوعي بدورها”، معتبرا أن “واجب المؤسسات الإسلامية أن تقوم بعمل دورات تبرز أهمية الاندماج الإيجابي للجالية داخل المجتمع البرازيلي، وبمزيد من المشاركة في النشاطات الاجتماعية التي تقوم بها المؤسسات الإسلامية لهذا الهدف”.

وفي هذا السياق، نبه الصيفي إلى مشكلة عدم وجود مدارس كافية، وإن وجد بعضها فهناك عائق الرسوم العالية؛ وهو ما مثل عقبة أمام كثير من الطلاب في الالتحاق، سواء بالمدرسة الإسلامية، أو حتى المدارس الخاصة التي تسمح بتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي على الأقل”.

وأوضح أن “هناك شكاوى من الأسر المسلمة من عدم استطاعتها إدخال أبنائها في المدارس التي تعلم الدين واللغة، وأن عددا آخر اضطر أن يخرج أولاده من المدارس الإسلامية؛ لعدم استطاعتهم تسديد الأقساط المستحقة عليهم”.

تجارب ناجحة

وحول أبرز التجارب الناجحة للجالية المسلمة للحفاظ على هوية الأجيال الناشئة، أكد الصيفي: “من أحسن ما رأيته في البرازيل فتح مدرسة إسلامية مستقلة في حي فيلا كارون، وأخرى للحضانة في مدينة سان برناردو”، مشيرا إلى اتفاق تم بين الجالية المسلمة في سان برناردو وبين مدرسة برازيلية خاصة للسماح بإعطاء حصتين في اليوم للغة والدين للطلاب المسلمين بها، وفي نفس الوقت تتولى الجالية مسئولية تأمين عدد كبير من أبنائها للدراسة بهذه المدرسة”.

وأثنى الصيفي على دور المخيمات والبرامج الترفيهية والتربوية التي تنظمها المؤسسات والمراكز الإسلامية للأطفال والشباب من أبناء الجالية، والتي تساهم بقدر كبير في ترسيخ الهوية.

وحول مدى اندماج الأسرة المسلمة داخل المجتمع البرازيلي، أوضح أن هناك اندماجا جيدا في المجتمع، سواء مع الشعب أو الحكومة على حد سواء، لكنه استدرك: “العادات الاجتماعية للمجتمع البرازيلي تختلف عن العادات الإسلامية؛ فما هو حرام في معتقداته حلال في العرف الاجتماعي”.

أصدقاء الإسلام

من ناحيته، أشار الشيخ تقي الدين إلى أن مصطلح الاندماج الإيجابي “مصطلح جديد على الجالية”، مشيرا إلى أن “هذا الاندماج بدأ يأخذ شكلا إيجابيا، من خلال بعض البرامج التي تقوم بها المؤسسات الإسلامية لتفعيل دور المسلم في الاندماج داخل المجتمع”.

وضرب مثالا بمشروع “أصدقاء الإسلام” الذي قامت به الجمعية الخيرية الإسلامية بغواروليوس، والذي يعتمد على قيام المتطوعين من أبناء الجالية والأصدقاء البرازيليين بزيارة حي من الأحياء الفقيرة داخل مدينة ساو باولو، يحملون معهم الرعاية الصحية والترفيهية والتربوية والقانونية والهدايا للأطفال، ثم يختارون عشر عائلات يتم دعوتهم لعمل دورة داخل الجمعية على مدار شهر في نهاية كل أسبوع يتعلمون فيها “الخياطة، وقص الشعر، وعلوم الحاسوب، واللغة الإنجليزية، والأشغال اليدوية”.

وختم الشيخ تقي الدين حديثه مبشرا بمستقبل واعد في ظل صحوة إسلامية تشهدها الجالية الإسلامية، وطالب بضرورة استثمارها في زيادة وعي الأسر بدينها وحضارتها وتقاليدها.

وتوقع أن يخضع الكثير من الأسر المسلمة لعملية مراجعة وبحث عن هويته الإسلامية، وأن هناك تزايدا في الأسر التي تعود لتعاليم الإسلام وتجعله الرافد الرئيسي لتربية الأبناء.

وعلى الرغم من عظم التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة، فإن الصيفي -متفقا معه في الرأي- شدد على أن هذا المستقبل الواعد يرتبط بمدى “التعاون بين أفراد الجالية الإسلامية في البرازيل من جهة، ومدى التواصل مع المؤسسات الإسلامية المعنية في العالم الإسلامي من جهة أخرى”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ فبراير 2010 ـ هاني صلاح