مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. كيف بنت دار الإفتاء منظومة التعليم الإسلامي النظامي لأبناء المسلمين؟

التعليم الإسلامي لا يقتصر على إعداد الأئمة.. بل يصنع أطباء ومهندسين ومعلمين وصحفيين يحملون هويتهم الإسلامية

من مادة الدين في المدارس الحكومية إلى المدارس الثانوية الإسلامية ثم المعهد الإسلامي العالي.. منظومة متكاملة لبناء الإنسان المسلم 

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

إذا كانت كتاتيب المساجد قد نجحت في غرس الإيمان والهوية في نفوس الأطفال، فإن التحدي التالي كان يتمثل في توفير تعليم إسلامي نظامي يرافقهم خلال مراحل الدراسة، دون أن يعزلهم عن المجتمع أو يحصر مستقبلهم في العمل الديني.

ومن هنا بنت دار الإفتاء العامة في بلغاريا منظومة تعليمية متكاملة تجمع بين العلوم الشرعية والتعليم المدني، وتتيح للطالب أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو صحفيًا أو باحثًا، وهو يحمل في الوقت نفسه معرفة راسخة بدينه وثقافته، مع توفير مسار أكاديمي متخصص للراغبين في العمل الديني.

مادة الدين في المدارس الحكومية.. شراكة بين دار الإفتاء ووزارة التربية والتعليم

يشكل تدريس مادة الدين الإسلامي في المدارس الحكومية إحدى الركائز الأساسية لمنظومة التعليم الإسلامي النظامي في بلغاريا. وتُعد مادة الدين مادة اختيارية لجميع الأديان وفق النظام التعليمي البلغاري، بما يتيح لأبناء المسلمين تلقي تعليم ديني داخل المدارس الحكومية.

وتتولى دار الإفتاء العامة مسؤولية إعداد مناهج التربية الإسلامية، وتأهيل معلمي المادة، والإشراف العلمي والتربوي على العملية التعليمية، وذلك بالتنسيق الكامل وتحت إشراف وزارة التربية والتعليم.

ويقتصر تدريس التربية الإسلامية في المدارس الحكومية على حصة أسبوعية، بينما يتيح هذا المسار لأبناء المسلمين التعرف إلى أساسيات دينهم ضمن المنظومة التعليمية الرسمية، ويعكس نموذجًا للتعاون المؤسسي بين الدولة ودار الإفتاء في خدمة التعليم الديني.

المدارس الثانوية الإسلامية.. تعليم يجمع بين العلوم الشرعية والتعليم العام

إلى جانب التعليم الديني في المدارس الحكومية، أسست دار الإفتاء منظومة متخصصة للتعليم الإسلامي النظامي من خلال المدارس الثانوية الإسلامية، التي تمثل المرحلة الأكثر عمقًا في دراسة العلوم الشرعية.

وتضم بلغاريا ثلاث مدارس ثانوية إسلامية، انضمت إليها هذا العام مدرسة رابعة في العاصمة صوفيا، في خطوة تمثل أكبر توسع يشهده التعليم الإسلامي النظامي منذ سنوات.

وتجمع هذه المدارس بين مناهج وزارة التربية والتعليم والعلوم الإسلامية، حيث يدرس الطالب جميع المقررات الحكومية، إلى جانب منهج إسلامي متكامل يضم القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، وغيرها من العلوم الشرعية بعدد من الساعات الأسبوعية، وليس مجرد حصة واحدة كما هو الحال في المدارس الحكومية.

ولا تهدف هذه المدارس إلى تخريج رجال الدين فقط، وإنما إلى إعداد شباب مسلم يجمع بين التفوق العلمي والهوية الإسلامية، ولذلك يتجه معظم خريجيها إلى دراسة الطب والهندسة والحقوق والإعلام والتربية والاقتصاد وسائر التخصصات الجامعية، وهم يحملون في الوقت نفسه تكوينًا إسلاميًا راسخًا. وقد قدمت هذه المدارس نماذج متميزة من الطلاب، من بينها طالب ألّف كتابًا عن تاريخ قريته، إلى جانب حفاظ للقرآن الكريم ومشاركات علمية وثقافية تؤكد نجاح هذا النموذج التعليمي.

المعهد الإسلامي العالي في صوفيا.. إعداد الكوادر الدينية والتعليمية المتخصصة

يمثل المعهد الإسلامي العالي في صوفيا قمة منظومة التعليم الإسلامي النظامي في بلغاريا، لكنه لا يمثل المرحلة التالية لجميع خريجي المدارس الإسلامية، إذ تتجه الغالبية العظمى منهم إلى الجامعات المختلفة لمواصلة دراستهم في التخصصات المدنية، ثم العمل أطباء ومهندسين ومعلمين وصحفيين ومحامين وباحثين وغير ذلك من المهن.

أما المعهد الإسلامي العالي، فيستقبل الراغبين في التخصص الشرعي، ويختص بإعداد الأئمة، ومعلمي التربية الإسلامية في المدارس الحكومية، ومعلمي المدارس الثانوية الإسلامية، ومعلمي دورات القرآن الكريم، وسائر الكوادر الدينية والتعليمية التي تحتاج إليها دار الإفتاء العامة ومؤسساتها.

الخاتمة

تكشف هذه المنظومة أن التعليم الإسلامي في بلغاريا ليس مؤسسات متفرقة، بل مشروعًا متكاملاً تقوده دار الإفتاء العامة، يبدأ بإتاحة مادة الدين الإسلامي في المدارس الحكومية، ويتوسع من خلال المدارس الثانوية الإسلامية التي تجمع بين العلوم الشرعية والتعليم العام، ويستكمل إعداد الكوادر المتخصصة عبر المعهد الإسلامي العالي.

وبهذا النموذج نجحت دار الإفتاء في بناء أجيال تحمل هويتها الإسلامية، وتشارك في مختلف مجالات الحياة، مع استمرار توفير مسار أكاديمي متخصص لإعداد الأئمة والمعلمين والكوادر الدينية التي تخدم المجتمع المسلم في بلغاريا.

التخطي إلى شريط الأدوات