مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. معركة تتار القرم للحفاظ على الهوية الإسلامية تنتقل من الذاكرة إلى المتاحف والفنون

من التهجير والشتات إلى التعليم والثقافة.. شعب مسلم يحول الفن إلى جسر يربط الأحفاد بأرض الأجداد

شومن وقرية تساريف برود تحافظان على تراث ستة قرون وتقدمان نموذجًا حيًا لاستمرار الهوية التترية القرمية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

بين خيوط التطريز الذهبي، ولوحات الفنانين الشباب، والمقتنيات التراثية التي نجت من تقلبات التاريخ، يواصل تتار القرم في بلغاريا معركتهم للحفاظ على هويتهم الإسلامية والثقافية التي عبرت قرونًا من الهجرة والشتات. فمنذ أن دفعت الأحداث التاريخية الكبرى آلاف الأسر التترية إلى مغادرة موطنها الأصلي في القرم والاستقرار في الأراضي البلغارية، لم تتوقف جهود الحفاظ على الذاكرة الجماعية، بل تحولت إلى مشروع حضاري يجمع بين التاريخ والدين والتعليم والفنون والمتاحف من أجل نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.

وفي مدينة شومن وقرية تساريف برود، اللتين تمثلان إحدى أهم محطات الوجود التاريخي لتتار القرم في بلغاريا، تتجسد اليوم صورة حية لهذا المسار؛ حيث لا يُنظر إلى التراث باعتباره مقتنيات قديمة فحسب، بل بوصفه هوية دينية وثقافية متكاملة يجب أن تبقى حاضرة في حياة المجتمع. ومن هنا جاء المشروع الدولي «الدراسات التترية القرمية» ليجمع مؤسسات ثقافية وتعليمية وفنية من عدة دول في عمل مشترك يؤكد أن حماية التراث لا تعترف بالحدود السياسية، وأن التعاون الثقافي هو السبيل لحفظ ذاكرة الشعوب.

المعرض.. ذاكرة شعب لا مجرد مقتنيات

شهد بيت متحف «بانايوت فولوف» التابع للمتحف التاريخي الإقليمي في مدينة شومن افتتاح معرض «الاكتشاف.. العنقود البلغاري»، الذي يضم قسمين رئيسيين؛ الأول مخصص لمعروضات المشروع الدولي «الدراسات التترية القرمية»، والثاني يعرض مقتنيات فريدة من المجتمع التتري القرمي في قرية تساريف برود.

ويضم المعرض نماذج من التطريز الذهبي التتري القرمي الذي أبدعه حرفيون من القرم وأوكرانيا، إلى جانب أعمال فنية، وتكوينات دمى تراثية، ومقتنيات ثقافية تعكس تفاصيل الحياة الاجتماعية والدينية لهذا المجتمع المسلم عبر الأجيال.

الفن والتعليم في خدمة الهوية

برزت مشاركة مدرسة يوليا كراسوفسكا للفنون بوصفها أحد أهم أبعاد المشروع، حيث شارك طلابها في الفعالية، كما أصبحت سلسلة اللوحات الفنية «المعالم المعمارية لتتار القرم» جزءًا من المعرض.

وتؤكد هذه المشاركة أن التراث لا يُحفظ في الكتب وحدها، بل ينتقل أيضًا عبر الرسم والفنون التشكيلية والمتاحف والورش التعليمية، وأن إعداد الفنانين الشباب لا يقتصر على المهارات الفنية، بل يشمل ربطهم بتاريخهم وهويتهم الثقافية.

شومن وتساريف برود.. عمق تاريخي مستمر

لا يمثل وجود تتار القرم في بلغاريا ظاهرة حديثة، بل هو امتداد لهجرات تاريخية أعقبت ضم القرم إلى الإمبراطورية الروسية ثم حرب القرم في القرن التاسع عشر، حيث استقرت مجموعات منهم في الأراضي البلغارية الحالية، وأصبحت قرية تساريف برود إحدى أهم المناطق التي احتضنت هذا الوجود التاريخي.

ولا تزال هذه المجتمعات تعمل على حماية تراثها ونقله للأجيال القادمة، محافظة على جانب مهم من هويتها الدينية والثقافية رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة.

الفن جسر يربط الأحفاد بأرض الأجداد

يحمل المعرض رسالة تتجاوز حدود الفن التقليدي، فهو يقدم نموذجًا حيًا لاستمرار الذاكرة الجماعية لشعب مسلم حافظ على خصوصيته عبر القرون، ويؤكد أن الفن ليس وسيلة للزينة فحسب، بل أصبح أداة لمقاومة النسيان، وحفظ الذاكرة التاريخية، وإحياء التراث، وربط الأحفاد بأرض الأجداد.

كما يجسد المشروع أن الهوية الثقافية والهوية الدينية وجهان لقصة واحدة، تظهر في التطريز والعمارة والفنون الشعبية والمقتنيات التاريخية، وفي كل ما تركه تتار القرم من شواهد تؤكد عمق حضورهم الحضاري.

خاتمة

تكشف تجربة تتار القرم في بلغاريا أن الشعوب قد تهاجر، وأن الحدود قد تتغير، لكن الثقافة قادرة على حماية الذاكرة، والفن قادر على إعادة إحياء التاريخ. وبين المتاحف واللوحات والتطريزات التقليدية، تتواصل حكاية مجتمع مسلم حمل هويته معه عبر القرون، وما زال يعمل على تسليمها للأجيال القادمة بوصفها رسالة حضارية وإنسانية تتجاوز الزمان والمكان.

ـ المصدر: مدرسة يوليا كراسوفسكا للفنون ـ مؤسسة العمارة والفن.

التخطي إلى شريط الأدوات