المشيخة الإسلامية في بريزرين تقدم نموذجًا حضاريًا يعزز القيم الإسلامية ويربط المجتمع بتراثه وهويته

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
عندما تنعكس مآذن جامع سنان باشا التاريخي على مياه النهر الذي يشق مدينة بريزرين، وتلتقي أصداء التاريخ العثماني بجمال الطبيعة الخلابة في قلب البلدة القديمة، تتحول ساحة شادرفان إلى لوحة نابضة بالحياة، تجمع بين عبق التراث وروح المدينة.ثلاثة أيام من المحاضرات والبرامج الأسرية والأنشطة الثقافية والإنشادية في ساحة شادرفان أمام جامع سنان باشا
ففي هذا المكان، الممتد عند سفح قلعة بريزرين التاريخية، وعلى ضفاف النهر الذي يعبر المدينة، تتجاور المساجد والأسواق الحجرية والجسور العتيقة، في مشهد جعل من بريزرين واحدة من أجمل مدن البلقان وأكثرها ارتباطًا بالهوية الإسلامية.
ولذلك لم يكن اختيار ساحة شادرفان لاحتضان مهرجان «سلام فيست 2026» اختيارًا عابرًا، بل جاء ليمنح الفعالية بعدًا حضاريًا وثقافيًا، حيث اجتمعت الأسر والزوار في قلب المدينة التاريخي، أمام جامع سنان باشا، وفي أجواء تمزج بين جمال المكان، وثراء التاريخ، ورسالة الإسلام، لتتحول الأمسيات الثلاث إلى احتفاء بالقيم، والأسرة، والثقافة، والتعايش، في واحدة من أبرز الفعاليات الصيفية التي شهدتها مدينة بريزرين.

سلام فيست..
رسالة تتجاوز حدود المهرجان
وفي هذا السياق، نظم مجلس المشيخة الإسلامية في مدينة بريزرين النسخة الثالثة من مهرجان «سلام فيست 2026»، خلال الفترة من 24 إلى 26 يوليو/تموز، في ساحة شادرفان التاريخية، تحت شعار: «عندما تجتمع القلوب… يولد السلام»، في فعالية مجتمعية متكاملة استهدفت جميع أفراد الأسرة، وجمعت بين الدعوة والثقافة والفنون الهادفة والأنشطة التربوية في أجواء أخوية مفتوحة.
وجاء المهرجان ليؤكد أن رسالة المؤسسات الإسلامية لا تقتصر على المساجد وقاعات الدروس، بل تمتد إلى الفضاء العام، عبر برامج تجمع مختلف شرائح المجتمع، وتعزز حضور القيم الإسلامية في الحياة اليومية من خلال وسائل تربوية وثقافية معاصرة.
برنامج متكامل للأسرة والمجتمع
وتضمن المهرجان سلسلة من المحاضرات الدعوية والتوعوية، إلى جانب برامج إنشادية وفنية، وأنشطة متنوعة للأطفال، وركنًا خاصًا بالكتاتيب اشتمل على فعاليات فنية وتربوية، فضلًا عن معرض للمأكولات التقليدية «كرمز» أشرف عليه قسم المرأة، مقدمًا أطباقًا تراثية عكست جانبًا من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المسلم في كوسوفا.
كما وفر المهرجان مساحة للقاءات الأسرية، والتواصل المجتمعي، وتعزيز روح الأخوة، في مشهد جمع بين سكان المدينة والزوار في واحدة من أشهر الساحات التاريخية في غرب البلقان.
ثلاث أمسيات بعناوين متنوعة
امتد برنامج «سلام فيست 2026» على مدار ثلاث أمسيات متتالية، حيث افتتح بمحاضرة للشيخ إكرم أفديو، تلتها مشاركة إنشادية للفنان نصرت كورتيشي، فيما شهدت الأمسية الثانية محاضرة للشيخ أرديان سيجديو، إلى جانب الفقرة الفنية التي قدمتها سلمى بكتاشي ميدا.
أما الأمسية الختامية، فتوجت بمحاضرة ألقاها سماحة مفتي كوسوفا الشيخ الدكتور نعيم ترنافا، واختتمت ببرنامج فني قدمه المنشد آدم رمضاني، في حضور جسد المكانة التي يحظى بها المهرجان ضمن الفعاليات الدينية والثقافية في مدينة بريزرين.
الهوية الإسلامية في قلب المدينة التاريخية
ويكتسب المهرجان أهمية خاصة من موقعه، إذ يقام في ساحة شادرفان، الواقعة أمام جامع سنان باشا التاريخي، أحد أشهر المعالم الإسلامية في كوسوفا، وفي قلب البلدة القديمة لمدينة بريزرين، وأسفل القلعة التاريخية، وعلى ضفاف النهر الذي يشطر المدينة إلى قسمين، وهو ما يمنح الفعالية طابعًا حضاريًا فريدًا، يجمع بين أصالة المكان وجمال الطبيعة والرسالة الثقافية والدينية للمهرجان.
وتعد مدينة بريزرين العاصمة التاريخية والثقافية للألبان في غرب البلقان، وإحدى أبرز المدن الإسلامية في المنطقة، لما تضمه من عشرات المساجد التاريخية والحديثة، وأسواقها العثمانية، وجسورها الحجرية، ومآذنها التي أصبحت جزءًا من هويتها البصرية، حتى لُقبت بـ«إسطنبول الصغيرة».
استثمار في الأسرة والقيم
ويعكس مهرجان «سلام فيست 2026» رؤية مجلس المشيخة الإسلامية في بريزرين في تحويل الفعاليات المجتمعية إلى منصات لترسيخ القيم الإسلامية، وتعزيز دور الأسرة، وربط الأطفال والشباب بهويتهم الدينية والثقافية، من خلال برامج تجمع بين المعرفة، والترفيه الهادف، والفنون الراقية، والعمل المجتمعي.
كما يقدم المهرجان نموذجًا متقدمًا لكيفية توظيف الفضاءات التاريخية في خدمة الرسالة الثقافية والدعوية، بما يعزز حضور المؤسسات الإسلامية في المجتمع، ويؤكد قدرتها على مخاطبة مختلف الفئات بأساليب معاصرة تجمع بين الأصالة والتجديد.