تأتي ضمن جهود متواصلة لدعم مواقع التتار المسلمين وإبرازها بوصفها جزءًا من التراث الثقافي والسياحي الوطني

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لا تُحفظ الذاكرة التاريخية بالوثائق وحدها، بل تُصان أيضًا بالعناية بالأماكن التي تختزنها. فحين تمتد مشاريع التطوير إلى الطرق المؤدية إلى المعالم التاريخية، فإنها لا تسهّل الوصول إليها فحسب، بل تمنحها حياة جديدة، وتؤكد مكانتها في وجدان المجتمع.
ويمثل مسجد كروشينياني التاريخي، في شمال شرقي بولندا، أحد أبرز الشواهد على الوجود الإسلامي للتتار منذ أكثر من ثلاثة قرون. ولذلك لا يُنظر إلى تطوير محيطه باعتباره مشروعًا خدميًا فقط، بل بوصفه استثمارًا في حماية أحد أهم رموز التراث الإسلامي في البلاد، وتعزيز حضوره ضمن المشهد الثقافي والسياحي الوطني.
تطوير الطريق إلى المسجد التاريخي
وفي هذا الإطار، بدأت أعمال إعادة تأهيل الطريق المؤدي إلى مسجد كروشينياني التاريخي والمقبرة الإسلامية (المزار)، ضمن مشروع مشترك بين مقاطعة سوكولكا وبلدية كرينكي، بهدف تحسين السلامة وراحة السكان والزوار، مع الحفاظ على الطابع التاريخي المميز للبلدة.
وخلال لقاء عُقد في كروشينياني، ناقش مفتي جمهورية بولندا، توماش ميشكيفيتش، ومحافظ مقاطعة سوكولكا بيوتر ريتشكو، ورئيسة بلدية كرينكي يولانتا غوداليفسكا، أهمية المشروع ودوره في تعزيز مكانة البلدة باعتبارها أحد أبرز رموز التراث الإسلامي والتعدد الثقافي في بولندا.
وأكد محافظ المقاطعة أن المشروع يتجاوز مجرد تحديث الطريق، موضحًا أن الرصف الحجري سيُحافظ عليه داخل المنطقة التاريخية بما ينسجم مع توصيات هيئة حماية الآثار، فيما سيُنفذ طريق إسفلتي حديث في بقية المسار، بما يجمع بين حماية الهوية التاريخية وتحسين البنية التحتية.
وأضاف أن أعمال التطوير تشمل أيضًا الطريق المؤدي إلى الكنيسة الأرثوذكسية والمقبرة الأرثوذكسية، في إطار رؤية تقوم على صون التراث التاريخي لجميع مكونات المنطقة.
شراكة لحماية الذاكرة التاريخية
من جانبه، أشاد المفتي توماش ميشكيفيتش بالتعاون القائم بين المجتمع التتري والسلطات المحلية، مؤكدًا أن التتار يعيشون في هذه المنطقة منذ أكثر من 300 عام، وأن تطوير المواقع التاريخية يسهم في الحفاظ على هذا الإرث وتعريف الأجيال الجديدة والزوار بقيمته.
وأشار إلى استمرار الجهود الرامية إلى إدراج كروشينياني وبوهونيكي على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لما تمثلانه من قيمة تاريخية وإنسانية تعكس عمق التراث الإسلامي في بولندا.
كما دعا إلى المشاركة في مهرجان الثقافات بمدينة سوخوفولا في 22 أغسطس، والذي يتضمن عروضًا للموسيقى التقليدية، والمطبخ التتري، وفنون الخط العربي، والرسم على الماء، ومعارض عن المناسبات الإسلامية، بوصفه إحدى المبادرات التي تعرّف الجمهور بالتراث الإسلامي التتري بصورة مباشرة.
استثمار في مستقبل التراث
وأكدت رئيسة بلدية كرينكي أن المشروع جاء ثمرة شراكة بين البلدية ومقاطعة سوكولكا، موضحة أن التعاون بين الجانبين أتاح توفير التمويل والانطلاق في تنفيذ المشروع، الذي يشمل إعادة تأهيل أكثر من عشرة كيلومترات من الطريق المؤدي إلى كروشينياني.
ويبلغ عدد سكان بولندا نحو 37.5 مليون نسمة، ويُقدَّر عدد المسلمين فيها بنحو 40 ألف مسلم، ويُعد التتار المسلمون أقدم مكونات المجتمع المسلم في البلاد، إذ يمتد وجودهم إلى أكثر من ستة قرون، بينما يمثل مسجد كروشينياني أحد أبرز المعالم الإسلامية التاريخية الباقية في البلاد.
وتعكس هذه المبادرة أن حماية التراث الإسلامي لا تقتصر على صيانة المباني التاريخية، بل تشمل أيضًا تطوير البيئة المحيطة بها، بما يسهم في الحفاظ على قيمتها الحضارية، ويعزز حضورها بوصفها جزءًا أصيلًا من التراث الوطني البولندي.
المصدر: سمير إسماعيل، وموقع Info Sokółka الإخباري المحلي بمحافظة سوكولكا – بولندا.