من حفظ التراث وتطوير الأوقاف إلى الطاقة والتنمية والحوار المجتمعي.. مؤسسات مسلمة تعيد بناء الذاكرة وتوسّع أدوارها وتصنع أدوات جديدة للمستقبل

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بين حفظ الذاكرة وبناء المؤسسات، ومن تطوير الأوقاف إلى تمكين النساء، ومن توظيف المسجد في خدمة البيئة والمجتمع إلى فتح أبوابه للحوار الثقافي، تكشف حصيلة تقارير اليوم السبت التسعة عن مجتمعات مسلمة لا تقف عند حدود المحافظة على حضورها الديني، وإنما تعمل على تطوير أدواتها والاستجابة لتحولات الحياة من حولها.
وتتنوع المشاهد التي ترصدها التقارير التسعة بين مدن وبيئات مختلفة في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأوقيانوسيا، إلا أن بينها خيطًا جامعًا يتمثل في تنامي الاهتمام بالمؤسسة، والهوية، والتنمية، والاستدامة، وإدارة الموارد، والعلاقة مع المجتمع الأوسع. ومن جيما الإثيوبية إلى سيدني الأسترالية، تظهر صور متعددة لمجتمعات مسلمة تبني حاضرها وهي تستند إلى ذاكرتها وتفكر في مستقبلها.
مؤسسات تحفظ الذاكرة وتبني المستقبل
ففي إثيوبيا، رصد تقرير افتتاح مركز بحثي ووقفي في مدينة جيما، يجمع بين العناية بالتراث الإسلامي والعمل البحثي وتطوير الأوقاف، في خطوة تعكس أهمية تحويل الذاكرة الإسلامية من تراث معرض للاندثار إلى مادة للتوثيق والدراسة والاستفادة المجتمعية.
أما في كوسوفا، فقد وضعت المشيخة الإسلامية حجر الأساس لمجمع إسلامي على مساحة 7370 مترًا مربعًا، في مشروع يعكس اتساع البنية المؤسسية للمجتمع المسلم، ويؤكد أن بناء المنشآت الإسلامية في كوسوفا يرتبط بمسار أوسع لإعادة بناء الحياة الدينية والاجتماعية وتطوير مؤسساتها.
المسجد يتحول إلى مساحة للتنمية والاستدامة والحوار
بينما في ألبانيا، يتخذ المسجد الكبير في مدينة دوريس وظيفة معاصرة تتجاوز دوره الديني التقليدي، بعدما تحول إلى منتج للكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية بدعم من المصلين، في نموذج يجمع بين الحفاظ على مسجد تاريخي والاستفادة من التقنيات الحديثة وتعزيز الاستدامة.
وفي النرويج، فتح المركز الإسلامي في استافنغر أبوابه أمام 8 فنانين وممثلين للتعرف على رؤية الإسلام للموت والدفن، ليظهر المسجد باعتباره مساحة للتعريف بالإسلام وإقامة جسور التواصل مع المجتمع المحلي، وليس مكانًا للعبادة فحسب.
الوقف والتنمية.. من حفظ الموارد إلى صناعة الفرص
وفي تنزانيا، أنجز المجلس الأعلى لمسلمي تنزانيا مشروعًا وقفيًا في بوكوبا، بما يعكس أهمية الأوقاف الاقتصادية في توفير موارد مستدامة للمؤسسات الإسلامية، خصوصًا في المناطق التي تتمتع بموقع جغرافي وحركة اقتصادية ومجتمعية نشطة.
أما في موزمبيق، فقد ركز أحد التقارير على مبادرة مؤسسة محمد ﷺ لمنح نساء مسلمات أدوات تساعدهن على بدء مشروعات صغيرة، في نموذج ينتقل بالمساندة الاجتماعية من تقديم العون المباشر إلى تمكين المستفيدات من العمل والإنتاج وتوفير مصادر دخل أكثر استدامة.
الهوية الإسلامية بين الذاكرة والثقافة
وفي أوكرانيا، تناول تقرير مشاركة تتار القرم في نقاش حول تاريخ الشعوب الأصلية ومستقبلها، في وقت تتقاطع فيه قضايا الحرب مع أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء، بما يبرز أهمية حضور المجتمع المسلم التاريخي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الشعوب التي عاشت على الأراضي الأوكرانية عبر قرون.
وفي تايوان، أخذت التغطية مسارًا حضاريًا عبر منسوجات محفوظة في متحف القصر الوطني، وما تكشفه من ذاكرة للتبادل الحضاري بين مناطق آسيوية مختلفة، ومن بينها صلات تاريخية وثقافية امتدت إلى ألبانيا العثمانية، بما يوسع النظر إلى حضور الإسلام في آسيا من زاوية الثقافة والتبادل الحضاري.
الأئمة يضعون ملفات المجتمع على طاولة التخطيط
وفي أستراليا، اجتمع أكثر من 40 إمامًا في مدينة سيدني لمناقشة 5 ملفات استراتيجية للنهوض بالمجتمع المسلم، في مشهد يعكس تنامي الحاجة إلى التنسيق بين القيادات الدينية وتطوير رؤية مشتركة للتعامل مع احتياجات المجتمع وتحدياته ومستقبله.
وهنا تكتسب الاجتماعات المؤسسية قيمتها الحقيقية عندما تتحول من مناسبات تجمع القيادات إلى مساحات لصناعة الأولويات ووضع التصورات التي يمكن أن تنعكس على حياة المجتمع المسلم في مختلف الولايات والأقاليم.
تسع قصص.. وأولوية واحدة:
بناء مجتمع أكثر قدرة على الاستمرار
وعند جمع التقارير التسعة في صورة واحدة، تبدو الأولويات أكثر وضوحًا؛ فالمجتمعات المسلمة التي ترصدها هذه المواد تعمل في مسارات متوازية: حفظ التراث، بناء المؤسسات، تنمية الأوقاف، دعم المشروعات الصغيرة، تطوير المساجد، تعزيز الحوار مع المحيط، حماية الهوية، وتنسيق جهود القيادات الدينية.
ولا تبدو هذه المسارات منفصلة عن بعضها؛ فالمركز البحثي في إثيوبيا يحفظ الذاكرة ويطور الوقف، والمشروع الوقفي في تنزانيا يبحث عن مورد مستدام، والمسجد في دوريس يوظف الطاقة الشمسية، والمبادرة في موزمبيق تحول المساعدة إلى فرصة إنتاج، بينما يسعى الأئمة في أستراليا إلى صياغة أولويات مشتركة للمستقبل.
وبذلك تقدم تقارير هذا السبت صورة تتجاوز الخبر العابر إلى رصد حركة أوسع داخل المجتمعات المسلمة خارج العالم الإسلامي: مجتمعات تحافظ على ذاكرتها، وتبني مؤسساتها، وتطور مواردها، وتبحث عن أدوار جديدة لمساجدها ومؤسساتها، وتعمل على تثبيت حضورها الديني والاجتماعي والثقافي داخل أوطانها.
وهذه هي القيمة الأهم التي يجمعها «حصاد السبت»: أن أخبار المجتمعات المسلمة، رغم اختلاف البلدان والظروف، يمكن أن تُقرأ بوصفها صفحات متتابعة في قصة واحدة؛ قصة مجتمعات تصنع أدوات بقائها وتطورها، وتحوّل مؤسساتها من مجرد حاضن للهوية إلى قوة فاعلة في التعليم والتنمية والثقافة والحياة العامة.