داخل قاعات المؤتمر..
كيف تتحول الأبحاث إلى نقاش علمي يُثري المعرفة ويعزز موثوقيتها؟

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح **
تقود المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا مشروعًا بحثيًا تفاعليًا لإحياء تراث العلماء الألبان الراحلين خاصًة خلال القرن العشرين، يقوم على تحويل المؤتمرات العلمية إلى منصات حوار مفتوح تجمع الباحثين والمتخصصين لمناقشة الأبحاث وتطويرها بشكل جماعي. ويهدف هذا المسار إلى إعادة تقديم التراث العلمي بصيغة حية تتجاوز التوثيق التقليدي، نحو إنتاج معرفة تشاركية أكثر عمقًا وتأثيرًا.
ويعتمد هذا النموذج على تنظيم جلسات علمية تمتد ليومين، تُعرض خلالها الأبحاث ضمن طاولات نقاش مستديرة تتيح التفاعل المباشر بين الباحثين والحضور، حيث تُطرح التساؤلات وتُقدَّم الملاحظات، ما يسهم في مراجعة الأبحاث وتحديثها بصورة علمية دقيقة. ويمنح هذا التفاعل الجماعي المادة العلمية قدرًا أعلى من الموثوقية، نتيجة تعدد زوايا النظر والمشاركة في بنائها.
كما تتعزز قيمة هذه المؤتمرات في بعض محطاتها التي تتناول شخصيات ذات تأثير وطني واسع، حيث تُختتم الفعاليات بجلسات موسعة يشارك فيها علماء وممثلون عن المؤسسات الدينية إلى جانب شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون في دولة كوسوفا، ما يمنح هذه اللقاءات بُعدًا وطنيًا يتجاوز الإطار الأكاديمي، ويجعلها مساحة جامعة للحوار بين المعرفة والواقع.
خلفية تاريخية.. محو ممنهج للتراث وإعادة بنائه اليوم
تكتسب هذه الجهود العلمية في كوسوفا أهميتها من سياق تاريخي معقد، حيث تعرّض التراث الإسلامي الألباني خلال القرن العشرين لعمليات طمس ممنهجة، خصوصًا في ظل الاحتلال الصربي الذي امتد من عام 1913 حتى عام 1999. وخلال هذه العقود، فُرضت قيود صارمة على التراث الديني، حتى وصل الأمر إلى تجريم حيازة الكتب باللغة العربية، بما في ذلك المطبوعات البسيطة، في محاولة لقطع الصلة بين المجتمع المسلم وتراثه العلمي.
وفي ظل هذا الواقع، لجأت العائلات الألبانية إلى إخفاء الكتب والمخطوطات داخل المنازل، في أسقف البيوت أو تحت الأرض، حفاظًا عليها من المصادرة، خاصة أن اللغة العربية كانت حاضرة بقوة في الحياة العلمية والدينية، بل وكانت تُستخدم في كتابة اللغة الألبانية حتى منتصف القرن العشرين، قبل أن تتوقف هذه الظاهرة تدريجيًا بعد عام 1947، في حين كانت ألبانيا المجاورة قد تخلّت عن الحرف العربي منذ عام 1912.
وأدّت هذه الظروف إلى ضياع جزء كبير من التراث العلمي الألباني، وتشتته بين ما فُقد وما بقي محفوظًا بشكل فردي غير موثّق. ومن هنا، تبرز أهمية المشروع العلمي الذي تقوده المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا اليوم، بوصفه محاولة منهجية لاستعادة ما تبقى من هذا الإرث، وجمعه من مصادره المتفرقة، ثم إخضاعه للبحث والتحقيق العلمي.
وفي هذا السياق، لا تقتصر المؤتمرات على عرض الأبحاث، بل تتحول إلى منصات تفاعلية تُناقش فيها المواد المكتشفة والمجمّعة، حيث تُطرح ضمن طاولات مستديرة تجمع الباحثين لتبادل الملاحظات وتصويب المعلومات، ما يسهم في إعادة بناء هذا التراث بصورة أكثر دقة وموثوقية، وتقديمه للأجيال الجديدة في صيغة علمية حديثة.
كما تتجاوز هذه المؤتمرات إطارها المحلي داخل دولة كوسوفا، لتتحول إلى منصات علمية تجمع باحثين ومختصين من مختلف مناطق غرب البلقان، حيث تتقاطع المجتمعات الألبانية المسلمة في كوسوفا وألبانيا ومقدونيا الشمالية والجبل الأسود ضمن فضاء لغوي وتاريخي مشترك. ويمنح هذا الامتداد الإقليمي للنقاشات العلمية بُعدًا أوسع، يتيح تبادل الخبرات وتعدد زوايا النظر في تناول الشخصيات العلمية والتراث الفكري.
نماذج تطبيقية.. خمسة مؤتمرات تحوّل التراث إلى نقاش حي داخل قاعات البحث
واكب كاتب هذا التقرير عددًا من هذه المؤتمرات حضورًا ميدانيًا من داخل جلساتها العلمية، وفيما يلي خمسة نماذج من هذه المؤتمرات التي تجسّد هذا المسار التفاعلي، وتُظهر كيف يتحول التراث من مادة محفوظة إلى معرفة حيّة تُبنى عبر الحوار والنقاش.
ـ الشيخ شريف أحمدي..
أول من ترجم معاني القرآن الكريم “كاملة” إلى اللغة الألبانية
يمثّل مؤتمر الشيخ شريف أحمدي (2008) نقطة الانطلاق الفعلية لهذا المشروع العلمي. وقد تزامن انعقاده مع استقلال كوسوفا، ليعبّر عن بداية مرحلة جديدة في إعادة بناء الوعي العلمي والهوية الدينية. ولم يكن اختيار هذه الشخصية اعتباطيًا، بل جاء لكونه أحد أبرز العلماء الألبان وأكثرهم تأثيرًا، حتى لُقّب بـ«أستاذ العلماء»، لما جمعه من مكانة علمية ودور تربوي وتعليمي ودعوي امتد أثره في كوسوفا ومحيطها.
ويُعد أحمدي أول من قدّم ترجمة كاملة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الألبانية بصورة منشورة ومؤثرة، ما مثّل تحولًا نوعيًا في نقل المعرفة الدينية من النخبة إلى المجتمع بلغته الأم. غير أن المؤتمر لم يختزل شخصيته في هذا الإنجاز، بل سعى إلى تقديمها في شمولها العلمي، حيث تناولت الأبحاث مختلف أدواره وإسهاماته، إلى جانب إنتاجه العلمي المتنوع ومؤلفاته التي أسهمت في تشكيل الوعي الديني والتربوي.
ـ العالم الألباني إيلو ميتكو قافزِزي..
مئة عام على بدايات ترجمة معاني القرآن إلى الألبانية
يمثّل المؤتمر العلمي الذي عُقد في 21 سبتمبر 2021 محطة متقدمة في هذا المشروع، حيث واصل مسار إحياء العلماء من خلال تسليط الضوء على شخصية علمية تُعد من المحطات المبكرة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألبانية. وقد نظمته المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا ممثلة في معهد البحوث والدراسات الإسلامية، بمناسبة مرور مئة عام على صدور إحدى هذه الترجمات.
وركّزت أعمال المؤتمر على شخصية إيلو ميتكو قافزِزي، ليس بوصفه مترجمًا فحسب، بل عالمًا أسهم في مرحلة حساسة من تاريخ الألبان، تزامنت مع تشكّل الهوية الثقافية والمؤسساتية في بدايات القرن العشرين. وقدّمت الأبحاث قراءة شاملة لدوره العلمي والفكري، إلى جانب إبراز محاولته في تقريب معاني القرآن إلى المجتمع الألباني بلغته، بوصفها جزءًا من مشروع أوسع لنقل المعرفة الدينية إلى المجال العام.
ـ الحافظ فخري إليازي..
إعادة الاعتبار لعلماء التربية وبناء الأجيال
يمثّل مؤتمر الحافظ فخري إليازي، الذي عُقد في 8 يونيو 2023 في العاصمة بريشتينا، محطة نوعية في هذا المشروع، حيث انتقل النقاش من النصوص والترجمات إلى ميدان التعليم، بوصفه المجال الذي تتشكل فيه المعرفة وتُبنى عبره الأجيال. وقد نظّمه معهد البحوث والدراسات الإسلامية التابع للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، بمناسبة مرور 120 عامًا على ميلاد هذا العالم.
وركّزت أعمال المؤتمر على شخصية الحافظ فخري إليازي (1903–1985)، بوصفه أحد النماذج التي جمعت بين العلم والعمل التربوي، حيث أسهم في التدريس وإعادة تنظيم الحياة الدينية والمؤسسية في مرحلة تاريخية معقدة. ولم تُعرض تجربته بوصفها سيرة فردية فقط، بل قُدّمت باعتبارها نموذجًا لعالم أسهم في صناعة أجيال من العلماء، ما جعل أثره ممتدًا في المجتمع عبر تلاميذه.
ـ الشيخ محرم بلاكتشوريت..
مؤلف «علم الحال» وأحد روّاد التأليف الديني باللغة الألبانية في القرن العشرين
يمثّل المؤتمر الذي نُظم عام 2024 محطة مهمة في هذا المشروع، حيث اتجهت المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا إلى استعادة البدايات الأولى للمعرفة الدينية باللغة الألبانية، من خلال إعادة قراءة المرحلة التأسيسية التي سبقت اكتمال هذا المسار العلمي. وقد جاء ذلك عبر تسليط الضوء على شخصية الشيخ محرم بلاكتشوريت (1894–1968)، أحد روّاد العمل العلمي في كوسوفا، ومن أوائل من بدأوا محاولات ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألبانية بصورة جزئية.
وجاء تنظيم هذه الطاولة العلمية المستديرة في العاصمة بريشتينا ليعكس توجهًا نحو استحضار اللحظات التأسيسية الأولى لنقل المعرفة الدينية إلى اللغة الألبانية، حيث ركّزت الأبحاث على إسهاماته في التربية الإسلامية والعمل اللغوي، إلى جانب إنتاجه العلمي، وفي مقدمته كتاب «علم الحال» الذي يُعد من أبرز المؤلفات الدينية في القرن العشرين، فضلًا عن وضعه أول قاموس ألباني–عربي، ما يعكس دوره في بناء الجسر اللغوي بين العربية والألبانية.
ـ مفتي كوسوفا السابق الدكتور رجب بويا..
أحد أبرز الشخصيات التي جسّدت التكامل بين الدين والدولة
يمثّل المؤتمر العلمي الذي انطلقت أعماله في العاصمة بريشتينا يومي 18 و19 أكتوبر 2024، واستُكملت جلساته في 26 و27 فبراير 2025، ذروة تطور هذا المشروع، حيث انتقل من دراسة العلماء بوصفهم شخصيات علمية إلى تقديمهم كنماذج مركبة تجمع بين الدين والمجتمع والدولة. وقد خُصّص المؤتمر لتكريم مفتي كوسوفا السابق الدكتور رجب بويا، بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي جسّدت هذا التكامل في السياق الحديث.
وشهد المؤتمر مشاركة واسعة ضمّت أكثر من ثلاثين باحثًا، إلى جانب حضور رفيع المستوى من القيادات الدينية والسياسية والأكاديمية من داخل كوسوفا وخارجها، ما عكس المكانة التي يحظى بها الدكتور بويا على المستويين المحلي والإقليمي. وقد تناولت الأبحاث مختلف أبعاد شخصيته، من قيادته الدينية ودوره في تطوير الحياة الإسلامية، إلى إسهاماته التعليمية والمؤسسية، وصولًا إلى حضوره السياسي والدبلوماسي في التعريف بقضية كوسوفا على المستوى الدولي، خاصة في العالم الإسلامي.
كما سلّطت المداخلات الضوء على مسيرته المتعددة، حيث جمع بين الإمامة والتدريس والعمل الأكاديمي، ثم انتقل إلى أدوار دبلوماسية أسهمت في بناء حضور معتدل ومقبول لكوسوفا في المحافل الدولية، مستفيدًا من إتقانه للغة العربية وعلاقاته الواسعة في العالم الإسلامي. وقد عزّز ذلك من دوره في ربط البعد الديني بالبعد الوطني في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
وبذلك، يعكس هذا المؤتمر مرحلة النضج في هذا المشروع، حيث لم تعد المؤتمرات فضاءً علميًا فقط، بل تحولت إلى منصات جامعة تلتقي فيها المعرفة الأكاديمية مع الخبرة السياسية والدينية، في نقاش يتجاوز التخصص ليصل إلى المجال الوطني العام، ويعيد تقديم الشخصيات العلمية بوصفها نماذج فاعلة في بناء الدولة والمجتمع.
خاتمة.. إعادة بناء المعرفة من داخلها
ما يحدث في كوسوفا ليس مجرد مؤتمرات علمية، بل عملية إعادة بناء للمعرفة من داخلها، حيث تُختبر الأبحاث بالنقاش، وتُطوَّر بالحوار، وتكتسب قيمتها من تعدد المشاركين في صياغتها. وبهذا، يتحول التراث من مادة محفوظة إلى تجربة معرفية حيّة، ويعود العلماء الألبان إلى الحضور لا كأسماء في التاريخ، بل كنماذج فاعلة تُسهم في تشكيل وعي الحاضر وبناء معالم المستقبل.
** صحفي مستقل ومؤسس موقع “مسلمون حول العالم”











