مشروع يعرّف بالتراث الإسلامي البلغاري ويفتحه على العالم بأربع لغات

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
على امتداد المدن والقرى البلغارية، تقف المساجد شاهدة على حضور إسلامي ارتبط بتاريخ المنطقة وملامحها العمرانية والثقافية. وبين القباب والمآذن والزخارف الداخلية، لا تبدو هذه المساجد مجرد أماكن للعبادة، بل تحمل في تفاصيلها جانبًا من ذاكرة المجتمعات التي نشأت حولها، وما شهدته من تحولات على مدار العصور.
وفي خطوة تجمع بين التوثيق والتراث والسياحة الثقافية، أصدرت رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا ألبومًا موسوعيًا مصورًا يوثق 140 مسجدًا من مختلف أنحاء البلاد، مقدمًا تاريخها وخصائصها المعمارية ومراحل ترميمها وأنشطتها الدينية الحالية.
ألبوم بأربع لغات..
حين تتحول المساجد إلى ذاكرة موثقة
جاء الألبوم في إصدار فاخر ذي غلاف صلب، يجمع بين الصور الاحترافية والمعلومات التعريفية حول المساجد، بما يشمل تاريخ كل مسجد وملامحه المعمارية ومراحل ترميمه، إلى جانب ما يرتبط به من أنشطة دينية في الوقت الحاضر.
وأُعد محتوى الألبوم بأربع لغات هي البلغارية والتركية والإنجليزية والعربية، في خطوة توسع دائرة التعريف بهذا التراث، وتتيح للباحث والقارئ والزائر من داخل بلغاريا وخارجها الاطلاع على جانب من تاريخ العمارة الإسلامية في البلاد.
عامان في الميدان..
من 278 مسجدًا إلى 140 نموذجًا
لم يأتِ الألبوم نتيجة عمل مكتبي فقط، وإنما كان ثمرة مشروع ميداني استمر عامين، انتقل خلالهما فريق من رئاسة المشيخة الإسلامية بين المدن والقرى البلغارية لزيارة وتصوير 278 مسجدًا.
ومن بين هذه المساجد اختيرت 140 مسجدًا لتكون مادة الألبوم، بما يتيح تقديم نماذج متنوعة من العمارة الإسلامية، ويجمع بين المساجد ذات القيمة التاريخية والمساجد التي لا تزال تؤدي وظيفتها الدينية والاجتماعية في حياة المسلمين اليوم.
وبذلك يتجاوز المشروع فكرة الكتاب المصور، ليقدم سجلًا بصريًا ومعرفيًا لمساجد موزعة على جغرافية بلغاريا، ويكشف تنوعها بين البيئات الحضرية والريفية، وبين العمارة القديمة والتجديدات الحديثة.
المسجد في المشهد البلغاري..
تراث حي لا ذاكرة جامدة
وتكتسب أهمية هذا العمل من كونه لا يتعامل مع المسجد باعتباره أثرًا معماريًا منفصلًا عن مجتمعه، وإنما يقدم تاريخ المبنى إلى جانب واقعه الحالي؛ من العمارة والزخارف إلى الترميم والأنشطة الدينية.
وتتجلى هنا قيمة المسجد بوصفه عنصرًا من عناصر المشهد الثقافي والاجتماعي للمجتمع المسلم في بلغاريا، ومكانًا تتقاطع فيه العبادة والتعليم والروابط الاجتماعية، فضلًا عن قيمته كمعلم يمكن أن يعرّف الزائر بجانب من تاريخ البلاد وتنوعها الثقافي.
ومن هذه الزاوية، يمثل الألبوم جسرًا بين التراث والمعرفة والسياحة الثقافية، إذ يتيح تقديم المساجد الإسلامية في بلغاريا ضمن صورة أوسع عن تاريخ البلاد وتنوعها الحضاري، ويجعل من توثيقها وسيلة للتعريف بها للأجيال الحالية والقادمة.
بلغاريا.. بلد الجبال والتلال
تقع بلغاريا في جنوب شرق أوروبا، في قلب منطقة البلقان، وتتميز بتنوع جغرافي يجمع بين الجبال والتلال والسهول، إلى جانب مدن وقرى تحمل شواهد معمارية وثقافية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
وفي هذا المشهد، يمثل التراث الإسلامي أحد المكونات التاريخية والثقافية للبلاد، حيث تنتشر المساجد في مناطق متعددة، وتشكل جزءًا من ذاكرة المدن والقرى التي عاش فيها المسلمون على مدار أجيال.
ويأتي الألبوم الجديد ليمنح هذا الحضور مادة بصرية موحدة، تجمع الصورة بالمعلومة، وتربط المسجد بموقعه وتاريخه وخصائصه المعمارية ووظيفته في المجتمع.
مسلمو بلغاريا..
حضور ديني واجتماعي متجدد
يشكل المسلمون أحد المكونات الدينية الأساسية في المجتمع البلغاري، وينتمي معظمهم إلى الأتراك البلغار، إلى جانب البوماك والغجر المسلمين، مع وجود مجتمعات مسلمة في مناطق مختلفة من البلاد.
وتتولى رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا إدارة عدد من المؤسسات والشؤون الدينية للمجتمع المسلم، فيما تواصل المساجد أداء أدوارها في العبادة والتعليم والأنشطة الاجتماعية والإنسانية.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق المساجد، باعتبارها جزءًا من الحضور الإسلامي القائم اليوم، وليس مجرد شاهد على الماضي؛ فحفظ المبنى يحفظ معه شيئًا من الذاكرة، وتسجيل تاريخه يفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة للتعرف على جذور مجتمعها وتراثه.
من بلغاريا..
حكاية مسجد تتجاوز المكان
في النهاية، لا يختصر الألبوم حكاية 140 مسجدًا في صور ومعلومات، بل يقدم قراءة بصرية لتراث إسلامي حاضر في قلب أوروبا، ويمنح القباب والمآذن والزخارف والعمارة لغةً جديدة للتعريف بتاريخ المسلمين في بلغاريا.
إنه مشروع توثيقي يجعل من المسجد نقطة التقاء بين التاريخ والمكان والإنسان، وبين الذاكرة والواقع والمستقبل؛ لتبقى هذه المعالم حاضرة في الوعي، لا باعتبارها أبنية قديمة فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من قصة مجتمع وثقافة وهوية.
المصدر: رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا.
