مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بولندا.. بوهونيكي قرية حاضنة للتراث التتاري الإسلامي في قلب بودلاسيا

مسجد خشبي ومِزار عريق يختزلان حكاية مجتمع مسلم حافظ على دينه وهويته وتراثه عبر قرون

 بوهونيكي شاهد حي على امتداد الحضارة الإسلامية في دولة بولندا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في بودلاسيا، شمال شرقي بولندا، تبدو بوهونيكي للوهلة الأولى قرية هادئة تتوارى بين طبيعة المنطقة وريفها، غير أن هذا الهدوء يخفي وراءه إرثًا إسلاميًا تتريًا يمتد لقرون.

هنا، لا يحضر التاريخ في الكتب وحدها، بل ترويه مئذنة المسجد الخشبي، وتحفظه شواهد المِزار، وتواصل حضوره جماعة مسلمة ارتبط اسمها بالمكان منذ استقرار التتار فيه.

بوهونيكي.. قرية حملت التتار إلى قلب بودلاسيا

بدأ ارتباط التتار ببوهونيكي في القرن السابع عشر، عندما استقروا فيها بموجب امتياز من الملك البولندي يان الثالث سوبيسكي عام 1679، لتتحول القرية مع مرور الزمن إلى أحد المراكز التاريخية للمجتمع المسلم التتاري في بودلاسيا.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن استقرار التتار مجرد إقامة عابرة، بل تشكلت في بوهونيكي حياة دينية واجتماعية ارتبطت بالأرض، وأصبح المسجد والمِزار عنوانين أساسيين لهذا الوجود الممتد.

المسجد الخشبي.. ملامح إسلامية في بودلاسيا

يقف مسجد بوهونيكي بوصفه أبرز معالم القرية، وهو مسجد خشبي يعكس خصوصية العمارة الإسلامية التي نشأت في بيئة محلية أوروبية.

فقد استفاد البناؤون المحليون من تقاليد العمارة الخشبية المنتشرة في بودلاسيا، بينما احتفظ المسجد بعناصره الإسلامية المميزة، لتنشأ عمارة تجمع بين خصوصية المكان ووضوح الهوية الدينية. ويعود المسجد الحالي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن سبقه مسجد أقدم شُيد في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

المِزار.. حيث تحفظ الأرض أسماء الأجيال

وعلى أطراف بوهونيكي، يمتد المِزار، أي المقبرة الإسلامية، بوصفه أحد أقدم وأهم شواهد الوجود التتاري في المنطقة.

تأسس المِزار في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ثم اتسع خلال القرن التاسع عشر، وتبلغ مساحته نحو هكتارين. وفيه أقدم شاهد قبر مؤرخ بعام 1796، إلى جانب مئات الشواهد التي تحمل ملامح أجيال متعاقبة من التتار المسلمين.

ولا تكمن قيمة المِزار في قدم شواهده فحسب، وإنما في كونه سجلًا مفتوحًا لمسيرة مجتمع عاش في هذه الأرض، ودفن أبناءه فيها، وحافظ على علاماته الإسلامية في النقوش والآيات القرآنية ورموز الهلال والنجمة.

بوهونيكي.. تراث إسلامي لم ينفصل عن المكان

تمنح العلاقة بين المسجد والمِزار بوهونيكي خصوصيتها؛ فالأول ظل عنوانًا للحياة الدينية، والثاني أصبح شاهدًا على امتدادها عبر الأجيال.

ولهذا اكتسبت بوهونيكي مع كروشينياني مكانة تاريخية خاصة، وأُدرج المسجد والمِزار فيها ضمن «معلم تاريخي» في بولندا عام 2012، باعتبارهما من أبرز الشواهد المادية على تاريخ التتار البولنديين، وعلى استمرار مجتمع مسلم في دولة ذات أغلبية مسيحية مع احتفاظه بخصوصيته الدينية والثقافية.

إرث التتار.. حين يصبح المكان شاهدًا على الهوية

تقدم بوهونيكي صورة هادئة وعميقة لحضور الإسلام في أوروبا؛ فهنا لا يحتاج التراث إلى مظاهر ضخمة كي يثبت وجوده، إذ يكفي مسجد خشبي ومقبرة قديمة وقرية صغيرة تحمل في تفاصيلها آثار أجيال من المسلمين التتار.

وهكذا بقيت بوهونيكي حاضنة للتراث التتاري الإسلامي في بودلاسيا، ومكانًا تلتقي فيه العبادة بالتاريخ، والهوية بالمكان، لتظل القرية شاهدًا حيًا على مسيرة التتار المسلمين في بولندا وعلى قدرتهم على حفظ إرثهم عبر القرون.

ـ المصدر: «التتار في بودلاسيا» ـ الاتحاد الديني الإسلامي في جمهورية بولندا.

التخطي إلى شريط الأدوات