مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ألبانيا.. “الثأر” يحصد أرواح نساء وأطفال

تدفع الأسرة الألبانية ضريبة غالية نتيجة لاستمرار عمليات الثأر بها؛ فالجميع يعتكف بالمنزل خوفا من الموت.. الأطفال لا يتاح لهم استكمال دراستهم، والرجال لا يمكنهم الذهاب إلى أعمالهم، والنساء يتحملن وحدهن عبء الخروج للعمل لكفالة أسرهن، وبلغ عدد المتضررين والمعتكفين داخل بيوتهم خوفًا من الثأر حوالي 1376 فردًا من بينهم 711 طفلاً، وتعود أهم أسباب الثأر في ألبانيا إلى التنازع حول ملكية الأراضي وقضايا الشرف.

ويعد الثأر العائق الأكبر أمام التنمية في المناطق التي انتشر بها؛ وهو ما دفع كثيرًا من الأسر المتضررة من الثأر بالرحيل هربا من مناطقهم إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا، سواء أكانت داخل ألبانيا أو خارجها.

لاجئو “الثأر”

يؤكد “جين ماركو” مدير مؤسسة “كوميتيتي بايتيم أمباركومبيتار” في تصريحات لشبكة “إسلام أون لاين.نت”: “أنه خلال الـ17 سنة الماضية قتل أخذًا بالثأر أكثر من 6000 ألباني، وأن استمرار هذه الظاهرة إلى الآن يكمن في عدم التطبيق الحازم للقانون الخاص بهذا الشأن من قبل الدولة”.

ويضيف “ماركو”.. في ظل غياب أي دور للدولة في هذا الجانب وفقدان إستراتيجية قومية لمعالجة الظاهرة، تسعى بعض مؤسسات المجتمع المدني بألبانيا إلى معالجة هذا الأمر إما بالإصلاح بين الأسر المتخاصمة، أو بتأمين المعرضين للخطر منهم لحين نجاح محاولات الإصلاح مستقبلاً.

ويشير: “أنه فقط في عام 2002 غادر سرًّا للخارج خوفًا من الثأر 1270 رجلاً تاركين زوجاتهم وأولادهم في حالة اقتصادية صعبة، وبمساعدة مؤسستنا استطعنا لمّ شمل هذه العائلات بتسهيل سفر النساء والأطفال إلى آبائه.

وفي عامي 2003 – 2004 وبالتعاون مع بعض الحكومات الأوروبية تم مساعدة 54 عائلة ممن كانت معرضة للخطر على السفر إلى هذه البلدان الأوروبية، وتوفير الإقامة والعيش هناك في أمان لحين زوال خطر الانتقام منهم مستقبلاً”.

وتنتشر ظاهرة الثأر بشمال ألبانيا على وجه الخصوص وبالأخص في محافظة أشكودرا والتي تقع على الحدود مع جمهورية الجبل الأسود، وتُعَدّ ثالث أكبر محافظة من حيث تعداد السكان. وحسب معطيات “كوميتيتي بايتيم أمباركومبيتار” بلغ عدد المتضررين والمعتكفين داخل بيوتهم خوفًا من الثأر حوالي 1376 فردًا من بينهم 711 طفلاً، يتواجدون في 23 محافظة من إجمالي 36 محافظة في ألبانيا، ويلاحظ أن أكثرهم قرويون، حيث تشير بياناتهم أنهم ينحدرون من 746 قرية و17 مدينة، كما أن الغالبية العظمى من شمال ألبانيا وبالأخص من محافظة أشكودرا، حيث بلغ عدد الأسر المتضررة منها 460 من إجمالي العدد على مستوى ألبانيا.

الأرض والشرف

تعود أهم أسباب الثأر في ألبانيا إلى التنازع حول ملكية الأراضي وقضايا الشرف . فمنذ أن سيطر الحزب الشيوعي على مقاليد البلاد بألبانيا عام 1945 قام بمصادرة كافة الأراضي الخاصة وضمها للدولة، وما إن سقطت الشيوعية عام 1990 حتى تدافع كثير من الألبان على تملك أراضي الدولة إما بوضع اليد أو شرائها أو تأجيرها.

ويشير “ماركو” إلى أن القانون رقم 7501 الخاص بتنظيم ملكية الأراضي لم يجد قبولاً لدى الكثير من المواطنين، ويضيف: “هذا القانون وضع 200 ألف أسرة ألبانية في حالة شجار وخصام؛ استطاعت 50 ألف أسرة منهم تسوية الخلاف حسب الأعراف “القانونية” المتبعة في قُراهم، بينما 120 ألف أسرة احتكموا للقضاء ولا يشعرون بأنهم قد أنصفوا؛ بينما 20 ألف أسرة أخرى تم التدخل فيما بينهم عبر المفاوضات من قبل المؤسسة حقنًا للدماء”.

إلا أنه في ظل عدم الاستقرار الذي شهدته ألبانيا خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، وضعف الحالة الأمنية بها والعجز عن تطبيق القانون بحذافيره؛ لم يجد المتنازعون على ملكية الأراضي سوى الاحتكام للسلاح، وما إن تبدأ عملية قتل واحدة حتى تليها الثانية والثالثة مثل السلسلة التي انفك عقدها.

كما مثلت ظاهرة خطف الفتيات وتهريبهن إلى الدول الأوروبية المجاورة؛ لتشغيلهن في الدعارة إلى قيام أسرة الفتاة بالبحث عن الخاطفين وقتلهم، الأمر الذي يدفع أسرة القتيل إلى الأخذ بالثأر، وتستمر دائرة القتل، ويقول “ماركو” أن عدد العائلات التي بينها نزاع بسبب هذه المشكلة حوالي 4600 عائلة.

كما يشير إلى أن كثيرًا من حالات الخطف تمت بطريقة رسمية بأن يتقدم الشاب للزواج من الفتاة، ثم يسافر بها إلى الخارج ويجبرها على العمل في الدعارة، ويضيف “ماركو”: “العاملون بمؤسستنا والمتخصصون في هذا الجانب نجحوا بعد تدخلهم لدى عائلتي الفتاة والشاب إلى عودة الفتاة لأسرتها بهدوء، مع ضمان عدم تحدث الطرفين علانية عما حدث حفاظًا على سمعة العائلة، مقابل عدم الأخذ بالثأر من الشاب، وتفاديًا لاستمرار مسلسل القتل بين الجانبين”.

تعتمد مؤسسة “بايتيم” التي يرأسها “ماركو” على أشخاص غالبًا لا يعلن عنهم وممن يتحلون بثقة الطرفين المتخاصمين، وتحاط كافة إجراءات المصالحة بسرية كاملة حرصًا على نجاحها؛ نظرًا لطبيعة الشخصية الألبانية “الشمالية” من الاعتداد بالنفس والكبرياء، وهذه هي النقطة التي تنطلق منها المؤسسة في عملية الإصلاح، حيث تطلب من أقارب القاتل الرحيل من مكان إقامتهم والمغادرة سرًّا لمكان آخر أكثر أمنًا لحين نجاح مفاوضات الإصلاح، وبهذا يبدو لأسرة القتيل أنهم حققوا نصرًا ولو معنويًّا على أسرة القاتل برحيلهم، حيث بدوا وكأنهم خائفين من الانتقام وهو ما يعطي الفرصة لبدء جولات من المفاوضات مع أسرة القتيل بأن تعفو، مقابل تعويض مادي سواء كان نقدًا أو عقارًا أو قطعة أرض.

قانون وإستراتيجية

وعلى عكس ما يراه “ماركو” أنه لا حاجة لقانون جديد وإنما الحاجة تكمن في تطبيق القانون الموجود فعلا، ولكن ترى بعض المؤسسات الأخرى أن معالجة هذه الظاهرة يحتاج لقانون وإستراتيجية جديدين. وقد ذكر موقع صوت أمريكا -باللغة الألبانية- على شبكة الإنترنت في 28 مارس 2007 أن مؤسسة “فوروم منديمي إلير” الألبانية -غير حكومية- تُعِدّ حاليًّا وبالتعاون مع نخبة من أفضل محامي العاصمة الألبانية “تيرانا” مسودة مشروع جديد حول محاربة عمليات الأخذ بالثأر لرفعه إلى الحكومة الألبانية. ويرى مسئول المؤسسة “منتور كيكيا” أن علاج هذه الظاهرة: “لن يتم بالطرق الدبلوماسية والحوار، ولا بتنظيم الأنشطة والفعاليات كالمؤتمرات والندوات، وإنما بالقانون وتفعيل دور الدولة”.

ويؤكد على ذلك “أرتان هوجا” القاضي بالمحكمة العليا الألبانية: “أن على الدولة أن تقوم بواجبها تجاه هذه القضية عبر إنشاء مؤسسة حكومية دائمة تعمل على وضع إستراتيجية مستقبلية لعلاج هذه الظاهرة، وليس كما يحدث حاليًّا عبر بعض الاجتماعات الموسمية”.

ولمساعدة أطفال العائلات المتضررة من الثأر على استكمال دراستهم ابتكرت إحدى المؤسسات غير الحكومية فكرة “المعلم المتنقل”، ويقول “ألكسندر قولا” مسئول مؤسسة “فونداسيون بير أزجذيان كونفيلكتفى زي بايتيمي موسمارفيشيا” التي تعمل على رعاية أطفال المتضررين وتقديم معونات اقتصادية لأسرهم: “إنهم اتفقوا مع مجموعة من المدرسين للذهاب لبيوت هؤلاء الأطفال المعتكفين داخلها لإعطاء الدروس هناك حرصًا على عدم انقطاعهم عن دراستهم، وهو ما جعلهم يشعرون ببصيص أمل من جديد في عودتهم لمدارسهم مستقبلاً؛ وقتما تنجح المحاولات التي تبذلها هذه المؤسسات التطوعية في الإصلاح”.

القانون “العرفي”

ويتبع الألبان في عمليات الأخذ بالثأر قانون “ليكا دوكاجيني” وهو أحد أمراء الألبان في القرن الخامس عشر الميلادي والذي وضع قواعد الأخذ بالثأر، حيث ينص القانون -الذي وضعه في حينه وسار عليه الألبان على مدار القرون الخمسة الماضية حتى الآن- على أن من حق الأسرة التي قتل أحد أفرادها الأخذ بثأرها وقتل فرد واحد مقابل من أسرة القاتل على أن يكون رجلا ومن أقاربه من الدرجة الأولى، ويجب عدم التعرض للنساء أو الأطفال بأي أذى، ويقوم مجلس شيوخ القرية بمراقبة صاحب الثأر في التزامه بهذا القانون.

وخلال الحقبة الشيوعية بألبانيا، توقفت عمليات الأخذ بالثأر كنتيجة للقبضة الأمنية القوية للنظام الشيوعي، حيث كان يلقى القبض مباشرة على أي شخص يقوم من تلقاء نفسه بقتل شخص آخر وإعدامه على الفور، الأمر الذي جعل هذه العادة تتوقف خلال هذه الحقبة، وما إن سقطت الشيوعية في عام 1990، ودخول ألبانيا مرحلة انتقالية غير مستقرة سياسيًّا وأمنيًّا وقانونيًّا حتى عادت ظاهرة الثأر من جديد. إلا أن عمليات الثأر خلال فترة الـ17 سنة الماضية أخذت بعدًا جديدًا لم يكن موجودًا من قبل، حيث أصبح من يريد الثأر لا يلتزم بقانون “ليكا” -العرف القانوني المتوارث- ولم تَعُد النساء والأطفال في مأمن من القتل كما كانوا من قبل؛ الأمر الذي دفع بالنساء والأطفال في كثير من المناطق إلى أن يعتكفوا مع الرجال في البيوت مما زاد من مأساة هذه العائلات.

وتظل ظاهرة الأخذ بالثأر في ألبانيا مستمرة إلى أن تتكاتف وتتعاون الجهود الحكومية الرسمية مع الجهود الشعبية المدنية؛ لوضع إستراتيجية قومية تعمل على معالجة هذه الظاهرة بالتدريج، ولا تتأخر في مد العون بالمساعدة والحماية لهذه الأسر المتضررة وأطفالهم حرصًا على مستقبلهم من الضياع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ 2009 ـ هاني صلاح