تأتي في سياق جهود رسمية لحفظ الذاكرة الإسلامية وإبراز الحضور التاريخي لتتار بولندا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بين جدران المساجد الخشبية العتيقة التي صمدت في أقصى شمال شرقي بولندا، لا تزال ذاكرة المسلمين التتار حاضرة في تفاصيل المكان، شاهدة على ستة قرون من الاستقرار والتعايش وصون الهوية.
فهذه المساجد ليست مجرد دور للعبادة، بل معالم تاريخية تحفظ قصة مجتمع مسلم عريق أسهم في تشكيل جانب من الإرث الثقافي البولندي.
ومع تنامي الاهتمام الرسمي بحماية هذا الإرث، تتواصل المبادرات الحكومية التي تعيد تقديم المساجد التاريخية باعتبارها شواهد حية على الوجود الإسلامي في البلاد، في خطوة تعكس إدماج هذا التراث ضمن الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال الجديدة بقيمته الحضارية.
توثيق رسمي لمسجد بوهونيكي
وفي هذا السياق، نشرت الصفحة الرسمية للمحافظ الإقليمي لحماية التراث في إقليم بودلاسكي مجموعة من الصور الأرشيفية النادرة لمسجد بوهونيكي التاريخي تعود إلى عام 1977، مرفقة بتوثيق تاريخي يستعرض تطور المسجد وأهميته بوصفه أحد أبرز المعالم الإسلامية التاريخية في بولندا.
ويأتي هذا التوثيق بعد أيام قليلة من إبراز مسجد كروشينياني التاريخي في برنامج تلفزيوني رسمي، بما يعكس استمرار الاهتمام الحكومي بالتعريف بالمساجد التاريخية لتتار بولندا وإبراز قيمتها الدينية والثقافية والحضارية.
شاهد على قرون من الوجود الإسلامي
وأوضح المنشور أن المصادر الأرشيفية تؤكد وجود مسجد في قرية بوهونيكي منذ عام 1717، بينما يرجع تاريخ المبنى القائم حاليًا -وفق أغلب الدراسات- إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما كشفت أعمال الترميم والصيانة التي أُجريت عام 2006 عن تاريخ «1873» محفورًا على إحدى العوارض الخشبية، وهو ما يُرجح أنه يشير إلى تاريخ بناء المسجد أو إعادة تشييده.
وخلال العقود الماضية خضع المسجد لعدة عمليات ترميم وصيانة للمحافظة على طابعه المعماري، كما تعرض لأضرار جزئية خلال الحرب العالمية الثانية نتيجة انفجار إحدى القذائف، واستُخدم في تلك الفترة مستشفى ميدانيًا.
معلم وطني يحفظ ذاكرة التتار المسلمين
وأكدت هيئة حماية التراث أن مسجد بوهونيكي يحمل قيمة تاريخية وعلمية وثقافية استثنائية، الأمر الذي أهله للحصول على صفة «نصب تاريخي» في بولندا، باعتباره نموذجًا فريدًا للعمارة الإسلامية الخشبية في البلاد، فضلًا عن كونه لا يزال يؤدي وظيفته الدينية منذ إنشائه وحتى اليوم.
وتعكس هذه المبادرات الرسمية توجهًا متواصلًا لإبراز التراث الإسلامي لتتار بولندا بوصفه جزءًا أصيلًا من التراث الوطني، من خلال توثيق المساجد التاريخية، وحمايتها، والتعريف بقصتها للأجيال الجديدة، بما يسهم في صون الذاكرة الإسلامية الممتدة في البلاد منذ قرون.